آخـــر الــمــواضــيــع

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: ابن تيمية والفلسفة ..جواب الشيخ مختار لي عن مقال الكاتب السعودي

  1. #1
    عضو ذهبي
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    الجزائر ـ بومرداس ـ
    المشاركات
    3,920

    افتراضي ابن تيمية والفلسفة ..جواب الشيخ مختار لي عن مقال الكاتب السعودي


    الجواب عن مقال الكاتب السعودي في جريدة الشرق الأوسط عن ابن تيمية و الفلسفة
    بسم الله الرحمن الرحيم

    جواب الأخ البومرداسي عن مقال الكاتب السعودي في جريدة الشرق الأوسط
    عن ابن تيمية و الفلسفة

    الحلقة الأولى
    الحمد لله وحده، و الصلاة و السلام على من لا نبيّ بعده.
    أما بعد، فأولا يجب أن يعرف الأخ أبو محمد عمر البومرداسي ـ حفظه الله ـ أن الكتابة عن أئمة السنة كأحمد بن حنبل، وابن تيمية، ومحمد عبد الوهاب، والألباني رحمهم الله أجمعين سواء جاء في سياق النقض لهم والذم، ومحاولة التعرض لمكانتهم وانتقاصها بأسلوب غير مباشر، أوجاء في سياق التنويه بجهدهم في الإسلام، فهو مما يخدم السنة خدمة جليلة، فمن حيث يريد البعض الضر يقع النفع، وإذا أراد الله أن يقيم الحق أو أن يظهره و يعليه على الباطل أقام المعارضين له المختبئين في كهوف الحداثة والعلمانية والديمقراطية وغيرها فلوّحوا براياتهم فيراهم أهل الخير و الحق فيقومون بما يجب عليهم من بيان الحق و بذلك يخبو الباطل و ترتفع منارة الحق عالية في سماء العزة و المجد.
    مقدمة الرد:
    إنّ الإشكالات التي يطرحها أنصار التحليل التاريخي إشكالات فرعية لمسائل ثانوية لا علاقة لها بموضوع الدين ،لأنهم يريدون الوصول إلى الفكرة السياسية المرتبطة إلى حد ما بالواقع الاجتماعي، ولكنهم يتخذون لذلك الدين مطية إلى هذا الغرض ،ولو أردنا إرجاع هذا الفكر و أطروحته إلى التعبير الفلسفي لقلنا إنها الإيديولوجية في التعبير الماركسي أي هي الأفكار المتولدة من وقائع اجتماعية واقتصادية بدون الشعور بذلك ثم اعتبار ذلك نوعا من التحليل العلمي.
    وربما يتفق معي أنصار التحليل الاجتماعي التاريخي أنهم وقعوا في خلط فاحش عندما لم يفرقوا بين الإسلام كدين له عقيدة وشريعة وأخلاق تعتمد النص الشرعي أولا، وبين الإسلام كحضارة متولدة عن تفاعل التاريخي بين الدين وبين الظروف الأخرى التي تحتم على حملته التعامل معها كدخول الفلسفة الحياة الفكرية الإسلامية، و ظهور علم الكلام والصناعات، وانصهار كثير من العادات العجمية في تشكيلته العامة عندما دخل فيه العجم ولم يتخلصوا من عاداتهم ،أو حاولوا أن يجدوا لها نوعا من التأويل على أساس مبدأ تجاوز التناقض.
    فالإسلام كدين لا يمكن أن نعتبر المحصلة الفكرية للفلاسفة كابن سينا و الفارابي وابن رشد، والتقلبات السياسية والظروف الاجتماعية التي هي ألصق بالظروف السياسية منها إلى الدين في حد ذاته من مراجعه و أصوله التي يجب أن نعتمدها عنصرا هاما في تحليلنا لواقع الإسلام او لعمل أئمة السنة العلمي و الدعوي،لأن هذا الذي ذكرته مرجعيته عوامل أخرى غير الإسلام أو غريبة عن الإسلام .
    و لكن إذا تكلمنا عن الحضارة الإسلامية دخلت هذه العوامل فيها، لأنها وقعت أولا في التاريخ الإسلامي و لأنها ثانيا بأيدي إسلامية، فمن هذه الجهة يدخل الفكر الفلسفي و السياسي للفرق الإسلامية حتى الهدامة منها.
    وعليه يجب التفريق بين الموجود في التاريخ الإسلامي من شواذ فكرية وسياسية و اجتماعية، وبين مايقرره الإسلام من مبادئ تخص هذه الأمور ثبت صلاحها في فترة الخلفاء الراشدين، فإن أفرزت بعض المظاهر السلبية في العصر الأموي أو العباسي أو غيره من عصور فمرجع ذلك التغيير الذي وقع على هذه المبادئ و الأصول لا هي في حد ذاتها.
    الاعتراض على مقال الكاتب السعودي والذي اعتبره شبهة أو عدم تدقيق في البحث يمر عبر جوابين أساسيين هما:
    1 ـ قد عرفنا أن المعتزلة و قبلهم الجهمية هم الذين أدخلوا الفلسفة إلى العالم الإسلامي و بالضبط في فترة المأمون المعتزلي ثم تبعهم بعض الأشاعرة ،وهذا اضطر أهل السنة و الجماعة إلى الرّد عليهم ردودا نقلية و عقلية مستنبطة من الكتاب و السنة حتى جاء ابن تيمية ورد عليهم باصطلاحهم و لغتهم ولكن مادة الردّ و جوهره هي نفسها الأدلة النقلية و العقلية المستنبطة من الكتاب و السنة بمصطلح الفلاسفة و المتكلمين.
    ولكن السؤال الذي يفرض نفسه أو بالأحرى الأسئلة والتي ألغاها الكاتب من تحليله واجتنب فحصها هي:
    هل كان رد ابن تيمية ردا موافقا للكتاب و السنة فهو جواب حق مطابق لمراد الله و رسوله أم أنه جواب لا يمت للمرجعية الشرعية بصلة ؟
    وبتعبير آخر إذا كانت الظروف المختلفة في العصر العباسي المتأخر قد أفرزت هذه الوضعية: أفول نجم الفلسفة المشائية عند السلاطين لتحل محلها فلسفة الإشراق و فلسفة الرواقيين فكلنا يعرف أن أكثر السلاطين كانوا يقربون أصحاب وحدة الوجود كالعلاقة بين بيبرس الجشانكير و المنبجي.
    فهل نقض ابن تيمية لفلسفة ابن سينا لأنها أرضية فلسفة الإشراق، وأرضية لفلسفة وحدة الوجود، وجوهر علم الكلام عند المتأخرين بداية من الجويني، قال الصفدي في" الوافي بالوفيات"{130/6}:"وقال ابن مماتي: كنت في مجلس الفاضل فحدثه بعض حاضري مجلسه أن الغزالي لما ورد بغداد سئل عن أبي المعالي الجويني فقال: تركته بنيسابور وقد أسقمه الشفاء، وقد كان شرع في مطالعة كتاب الشفاء لابن سينا، قال: فجعل القاضي يتعجب من حسن قوله أسقمه الشفاء ويتمايل له ويقول: والله إن هذا كلام حسن بديع، وكان عنده ابن ولد الوزير ابن هبيرة فقال: كلام جدي في هذا المعنى أحسن وأبلغ قال له: وما هو؟ قال: قوله الشفاء ترك الشفاء، والنجاة ترك النجاة، فقال الفاضل: لا ولا كرامة، بين الكلامين بون لا يطلع عليه إلا أرباب الصنائع."
    فهل كان هذا النقض من إفرازات هذا العصر أو هو عين ما قرره القرآن وقررته السنة و قرره السلف الذين كانوا قبل سقوط بني العباس ؟
    فإن كان عمل ابن تيمية في نقض الفسلفة لأنها الخلفية الحقيقية لعلم الكلام وللتصوف الكشفي يمثل النص القرآني والحديثي ويمثل إجماع السلف في صياغة جدلية باصطلاح ولغة القوم زيادة في إقامة الحجة عليهم وفتق عقدة التفوق التي يشعر بها بعضهم لانهم يخاطبون الناس بما لا يفهمون كما كان حال المتكلمين و الفلاسفة.
    فهذا التحليل الذي وصل إليه الكاتب السعودي وهو ان ابن تيمية بنقضه الفلسفة كان يبحث عن سند عقلي للعقائد ينم عن عجزه الثقافي في فهم مقاصد الإسلام و مرونة نصوصه الثابتة في استيعاب العقيدة الإسلامية، وانه يدل عليها بطرق مختلفة متعددة ليس من شرط الحق أن يكون بعبارات السلف فقط .
    فتحليله هذا نتاج تفريق وهمي قام به الفلاسفة ومن سار في ركبهم بين الدليل العقلي و الدليل السمعي.
    وينم كذلك عن خلل و قصور في تحليله يرجع إلى تأثره بمنهج النقد الغربي الذي ياخذه من كتابات بعض اتباعهم في المشرق و قد ذكر هو نفسه بعضهم أكثر من ملاحظته لحقيقة مذهب اهل السنة في مقابل علم الكلام و الفلسفة.
    ولذلك جاء تحليله خاضعا لمصطلحات الفلاسفة و أوهامهم و إن كانت لا تدل على أطروحته، ولذلك يظهر من كلام الكاتب و تعليله نقض ابن تيمية للفلفسة بالخلفية السياسية انه محبوس داخل تصور فلسفي عصري يتشبث بتراث المعتزلة كمدخل لمطالبه السياسية و الثقافية النابعة من تصور غربي لم يلمح الكاتب السعودي بعد نقاط التلاشي و التناقض فيه.
    والذي يهمنا الآن أن تصورالكاتب للحملة العلمية التي قام بها شيخ الإسلام ابن تيمية على الفلسفة كخلفية فكرية إلحادية مضادة للكتاب و السنة مشتركة بين روافد الفلسفة وهي علم الكلام و التصوف الكشفي دون التعرض إلى الأسباب الواقعية المتمثلة في تفشي هذا الوباء حتى داخل جماعة اهل السنة و الجماعة بحيث صار الإعراض عن الكتاب و السنة و اعتبارهما ظواهر غير مرادة يجب تأويلها،وتلبس البدع القولية والعملية بالفلسفة تحت أسماء مستعارة اخرى الشريعة والحقيقة، والتصوف، والزهد، والأشعرية ودون تصور صحيح لمقاصد الشريعة في توحيد مصدر التلقي قاده إلى طوبوية في تفكيره ترتكز على مبدأ إفراغ النقض التيمي للفسلفة من قوته بحجة موت أكبر الفلاسفة لا موت الفكر الفلسفي!.
    وهو قد وقع في هذه الطوبوية لأنه لم يفرق بين الأحوال الموجودة في الأمة واقعا و بين الأحوال المقصودة لها شرعا، و بالتالي لم يفرق بين المتاح له نقضه وتقويمه، والمرغوب في الوصول إليه.
    وإذا كان رد فعل شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ على الفلاسفة واتباعهم الجهمية و المعتزلة بشقيهم ردا شرعيا لا يتعارض و الإسلام الذي حمل لواءه في جميع ردوده وبيّن انه يدعو إليه وأنها الإسلام على فهم السلف قبل أن يدخل بعض السلاطين المعتزلة الفلسفة إلى العالم الإسلامي للاستعانة بها على المخالفين لهم في العقيدة ،لا يمكن أن نعده اليوم لغاية في نفس أحدهم ضربا في ميت! اقتضته الظروف الاجتماعية و السياسية لذاك العصر يجب أن نكف عنه ونعده من أحداث التاريخ التي يجب أن تبقى في التاريخ، وأسباب هذا الرّد و النقض التيمي لازالت موجودة لحد اليوم ، فالذين يعتبرون الدليل السمعي دليلا زمنيا لا يصلح لهذا العصر ،و يريدون ان يفرقون بين الدين و الدنيا فلا تكون للدين أية سلطة على الدنيا ولو معنوية لا يزال منهم طائفة كبيرة في العالم الإسلامي .
    فإذا كان السبب الذي دفع السلف إلى الرد على الجهمية و المعتزلة قائما في زمن ابن تيمية بل ازداد توكيدا بدخول المقالات الفلسفية علم الكلام المنتشر فيلزم حتما أن الرد و التقويم و التصحيح هو امتداد لعمل السلف و تقوية له و تكميلا له باستيعاب المقالات الجديدة المضاهية للكتاب و السنة .
    و إن كان الكاتب يمتعض من الرّد التيمي السلفي على الفلسفة لمحاولته تصحيح العقيدة الإسلامية عند بعض الطوائف وتنقيتها من شرك الإغريق و هرطقتهم فقد كان الأجدر بالكاتب السعودي أن يوجه نقده لهؤلاء الذين لا يزالون يتناولون هذه البدع الكلامية و الضلالات الفلسفية المنافية لدين الإسلام، لأنهم هم الذين أفرزوا هذا الصراع، وهم السبب ،وهم الدخلاء على أمة الإسلام لا من قام بالرد عليهم و بيان بطلان فكرهم و محاداته لله ورسوله، فحتما المعالجة تكون بإزالة السبب لا الدواء.
    و عليه يتبين أن الكاتب لا يهمه البحث عن الحق و تقريره و لكن يهمه التخلص من مدرسة سنية سلفية قوية تقف أمام مشاريع التغريب و التغريق للأمة .
    ولو كان أمثال هذا الكاتب يبحثون عن الحقيقة العلمية بعيدا عن الأغراض السياسية و الثقافية المشبوهة و قد تبين بالبرهان القطعي أن مقالات الفلاسفة في الإلهيات لم تكن موجودة في الإسلام قبل المأمون فلزمهم وفقا لهذه النظرية أن يقاوموا هذا الفكر لا أن يقرعوا عليه سن الندم و يتباكون على أيامه السوداء!
    وعليه ومن خلال هذه العجالة التحليلية يظهر أن الكاتب السعودي واقع في عين ما يتهم به ابن تيمية من التأثر بالفلاسفة و الفرق بينهما أن ابن تيمية يتهم بالتأثر بالفسلفة وهو ناقض لها في كل أقسامها إلاّ الطبيعيات، ومعه الكتاب والسنة شاهد لا يكذب، والكاتب ينتقض من نقض الفلسفة فلا شك أنه ليس لصالح الكتاب والسنة؟!
    بل ما وقع فيه هذا الكاتب أخطر بكثير من ذلك ،فإنه وقع في الظواهرية ذلك أنه أخذ حدث تاريخي هو سقوط بغداد أو غزو التتر بظاهرية شديدة تتمثل في دراسة الظواهر التاريخية دراسة وصفية كما تحصل في الزمان و المكان بقطع النظر عن شروطها ومصدرها و صدقها وكذبها في التعبير عن الإسلام كما ثبت عند السلف، و كما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم..
    فعندما نريد تقويم عمل علمي وفكري معين يجب النظر في قوة هذا الفكر ومدى انتشاره و تغلغله لا في عدد القائمين به ، و تواريخ وفايتهم؟!
    الرد التفصيلي:
    قال الكاتب السعودي:
    هل كان نقد ابن تيمية للفلسفة ضربا في ميت أم بحثا عن سند عقلي لإثبات العقائد؟!

    قلت: إذا كانت الفلسفة ميتة في زمن ابن تيمية فمن بعثها من مقبرة الكفر والضلال اليوم، يظهر أن الكاتب لم يفهم قصد ابن تيمية من نقض الفلسفة كما يظهر أنه لم يدرس تاريخ الفلسفة جيدا، ولا يفرق بين عصرها الذهبي وعصرها الأسود كما سنبينه في موضعه من هذا الرد.
    ثانيا: يظهر أن الكاتب لا يعرف ما هو عقلي فلذلك يظن أن ابن تيمية كان يبحث في الفلسفة عن سند عقلي لإثبات العقائد وهذه مصيبة القوم كل هراء نضد باصطلاح الفلسفة يسمونها عقلا و كل حق جاء في الكتاب و السنة يسمونه دليلا سمعيا أو خبريا أو لفظيا ، ومعلوم أن الدليل الشرعي قد يكون نقليا وقد يكون عقليا و العقلي هو كل ما تصوره العقل و أقره.
    وبهذا تعرف أن ابن تيمية لم يكن بحاجة إلى الفلسفة ليجد مستندا عقليا للعقيدة السنية.
    قال الكاتب السعودي:
    بعد سقوط بغداد بيد التتار عام 656 دخلت الفلسفة الإسلامية مرحلة النزع الأخير، ولم ينته القرن السابع إلا قد غابت الفلسفة تماما عن المشهد الثقافي في العراق والشام ومصر
    .
    قلت:أفل نجم الفلسفة بأفول نجم المعتزلة و المقصود بأفول نجمها عدم فلاسفة كبار أمثال ابن سينا و الفارابي و إلا فإنه لم يخلو عصر من الفلاسفة، وبعد سقوط بغداد كان هناك عدة فلاسفة في المشرق مثل :جمال الدين حسن الشيرازي، والشريف الجرجاني المولود سنة 740 هـ، و نصير الطوسي أبرز تلامذة ابن سينا خدم التتر و حول المساجد إلى مراصد فلكية، و غيرهم كثير..
    قال الكاتب السعودي:
    ولد ابن تيمية بعد سقوط بغداد بخمس سنوات، فيكون أدرك الفلسفة في أيامها الأخيرة، حيث لا نجد في العصر الذي عاشه إلا عددا قليلا من الفلاسفة أهمهم: نصير الدين الطوسي (ت672) وهو فيلسوف اسماعيلي تحول إلى المذهب الامامي وخدم هولاكو. وابن سبعين (ت668) وهو فيلسوف صوفي من القائلين بوحدة الوجود. والعفيف التلمساني (ت690) وهو كذلك من الصوفيين القائلين بوحدة الوجود وصدر الدين القونوي (ت673) وهو تلميذ ابن عربي ومن القائلين بوحدة الوجود أيضا، وهؤلاء جميعا ماتوا قبل نهاية القرن
    .
    قلت: وهل أدرك ابن سينا و الفارابي و الكندي أرسطو و أفلاطون وسقراط وفيثاغورس أم بينهم عشرات القرون أي آلاف السنين؟
    وهل منع تباعد الزمن بينهم من استفادة هؤلاء الفلاسفة المنتسبين للإسلام من فلاسفة الإغريق؟!
    وهذا يعني أن الفلسفة بلغت مجدها الفكري في فترة كان هؤلاء الفلاسفة قلة شاذة في العالم الإسلامي بل إن ابن سينا لم يدرك الفارابي و إنما تتلمذ له على كتبه فهل كان هذا إحياء لميت؟!
    وعليه، ما علاقة نقد الفلسفة بوجود كبار الفلاسفة أحياء أم أموات؟!
    لم يكن للفلاسفة مكانة عند الشعوب الإسلامية وما نسميه بعصرها الذهبي هو مكانتها عند بعض الملوك أما عند عموم المسلمين فلم تنفق سوق الفلسفة بل الاعتزال الذي هو خير منها و أقرب إلى الشرع لم يطول كثيرا فإذا تم القضاء على المعتزلة و أفول نجمهم فكيف بالفلسفة ولم تأخذ في يوم ما مكانها عند المسلمين بل لم يزل المتفلسفة مطاردين و كتبهم تحرق وما قصة ابن رشد بمجهولة يعيشون تحت حماية السلاطين لموافقة جنس بعض السلاطين لجنسهم ولتوافق نفوسهم في التهتك أو في البعد عن معين الشريعة .
    الفلسفة في العالم الإسلامي على اختلاف مذاهبها انتهت إلى فلسفة الإشراق ثم إلى فلسفة الرواقيين أي وحدة الوجود فكان نقد ابن تيمية لهذا المذهب نقضا لخلاصة الفلسفةوهذا ما سأبينه في الحلقة القادمة بعون الله تعالى.
    أما لماذا يريد بعضهم إحياء الفلسفة فلبعث أطروحات العلمانية في المجتمع الإسلامي .
    فالكاتب لا يفرق بين قلة المشتغلين بالفلسفة و بين رواج أفكارها، فكون المشتغلين بها كانوا قلة في زمن ابن تيمية لا يعني أن أفكارها لم تكن رائجة ، فالذي يهم ابن تيمية كإمام من أئمة الإسلام ليس الفلسفة كفلسفة و لكن تأثيرها على علم الكلام و بالتالي تأثيرها على عقائد المسلمين، و عصر ابن تيمية يمثل أوج عصر للفلسفة تزاوجت فيه بعلم الكلام و التصوف.
    قال ابن خلدون في " المقدمة":
    ثم توغل المتأخرون من بعدهم في مخالطة كتب الفلسفة، والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين فحسبوه فيهما واحداً، من اشتباه المسائل فيهما.
    ولقد اختلطت الطريقتان عند هؤلاء المتأخرين، والتبست مسائل الكلام، بمسائل الفلسفة، بحيث لا يتميز أحد الفنين عن الآخر. ولا يحصل عليه طالبه من كتبهم كما فعله البيضاوي في الطوالع، ومن جاء بعده من علماء العجم في جميع تأليفهم.
    .....ومن أراد إدخال الرد على الفلاسفة في عقائده، فعليه بكتب الغزالي والإمام ابن الخطيب، فإنها وإن وقع فيها مخالفة للاصطلاح القديم، فليس فيها من الاختلاط في المسائل والالتباس في الموضوع"
    وقال أيضا"302":ثم خلط المتأخرون من المتكلمين مسائل علم الكلام بمسائل الفلسفة لاشتراكهما في المباحث، وتشابه موضوع علم الكلام بموضوع الإلهيات ومسائله بمسائلها، فصارت فن واحد. ثم غيروا ترتيب الحكماء فى مسائل الطبيعيات والإلهيات وخلطوهما فناً واحداً قدموا فيه الكلام في الأمور العامة، ثم أتبعوه بالجسمانيات وتوابعها ثم بالروحانيات وتوابعها، إلى آخر العلم، كما فعله الإمام ابن الخطيب في المباحث المشرقية، وجميع من بعده من علماء الكلام.
    وصار علم الكلام مختلطاً بمسائل الحكمة، وكتبه محشوة بها، كأن الغرض من موضوعهما ومسائلهما واحد. والتبس ذلك على الناس."
    قال الكاتب السعودي:
    وفي تلك الفترة نستطيع أن نجد بعض المتكلمين الذين لهم «اعتناء» بالفلسفة ودراسة كتب ابن سينا فقط، وهم من تلاميذ فخر الدين الرازي أو من المتأثرين بطريقته الكلامية، مثل: شمس الدين الخسروشاهي (ت652) وشمس الدين الأصفهاني (ت688) أو ممن له معرفة بالمنطق من المتكلمين، بعد أن ادخل الغزالي مباحث المنطق إلى كتب الكلام، ومن المناطقة المشهورين في ذلك العصر علاء الدين الباجي (ت714).
    والملاحظ أن المشتغلين بالفلسفة في ذلك الوقت كانوا أما من الشيعة (بشتى طوائفهم باطنية أو امامية)، وأما من فلاسفة الصوفية، وقليل من المتكلمين الذين درسوا المنطق وقرأوا الفلسفة من منطلق كلامي وليس فلسفيا. ومما ساعد على «قلة المشتغلين بالفلسفة» هو ارتباطها بالمذاهب الشيعية والباطنية، وهذا ما دعا إلى محاربتها من العلماء السنيين، كالغزالي والسهروردي (صاحب عوارف المعارف)، والسبكي والذهبي وغيرهم
    .
    قلت:لماذا انزوت الفلسفة إلى الشيعة الإمامية ،وبيان خطأ الكاتب حينما زعم أن الغزالي حارب الفلسفة!، ولماذا انتشرت فلسفة الرواقيين: وحدة الوجود، سنتعرض له بالتفصيل في موضعه من هذا المقال.
    موقف الغزالي من الفلسفة:
    يقول الغزالي عن الإلهيات: إنّ بعضها كفر وبعضها بدعة، وأنّ الطبيعيات لا حاجة إليها1، أماّ المنطق الذي عرّفه في (الإحياء): بأنّه البحث عن وجه الدّليل وشروطه، جعله من أقسام علم الكلام، فهو عنده مذموم كعلم الكلام.
    يقول الغزالي في (المنقذ من الضلال):" أماّ المنطقيات فلا يتعلق شيء منها بالدّين نفيا وإثباتا، بل هو النظر في طرق الأدلة والمقاييس، وشروط مقدمة البرهان، وكيفية تركيبها، وشروط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه، فإنّ العلم إما تصوّر وسبيل معرفته الحد، وإما تصديق وسبيل معرفته البرهان "2.
    ويعيب الغزالي على المناطقة بأنهم يجمعون للبرهان شروطا يعلم أنها تورث اليقين لا محالة، لكنّهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية لم يمكنهم الوفاء بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التّساهل.
    أما الإلهيات، فما قدروا على الوفاء بالبراهين على ما شرطوه في المنطق، ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيها، فيظن من يستحسن المنطق الذي يراه في الرياضيات أنّ ما ينقل عنهم من الكفريات في الإلهيات، مؤيد بمثل تلك البراهين في الرياضيات (ص:42).
    وكذلك يعيب الغزالي أساسا من أهم أساسات المنطق وهو الحدّ، فيقول في (المستصفى): "وأكثر ما ترى من الحدود رسمية إذ الحقيقة عسرة جدا، وقد يسهل درك بعض الذاتيات ويعسر بعضها، فإن درك جميع الذاتيات حتى لا يشدّ واحد منها عسر، والتمييز بين الذاتي واللازم عسر، فإنك ربما تقول في الأسد إنه حيوان شجاع، ولا يحضرك لفظ السّبع، فتجمع أنواعا من العسر". (14)
    ويقول في ( مدارج القدس):" إنّ معرفة الأشياء لا تتوقف على الظفر بحدودها، ووجدان جنسها وفصلها، فكم من موجود لا جنس له ولا فصل، ولا حدّ ولا رسم، وما له جنس وفصل فربّما لا يظفر بجنسه وفصله وأكثر الأمور كذلك، فإنّ إعطاء الحدود صعب عسر على الأذهان، نعم يستدل على وجوده وحقيقته بآثاره، فإنّ العقل والنفس وكثيرا من المفارقات تتصور و لا حد لها و لا رسم، و إنما يدل عليها برهان ". (19)
    هاجم الغزالي الفلاسفة في كتابه "التهافت" هجوما شرسا فبدعهم في سبع عشر مسألة و كفرهم في ثلاث، فاهتز الناس لذلك فرحا لكسر طاغوت الفلسفة التي بدأت تعد أيامها، و بينما الناس في غمرة فرحتهم إذا به يخرج عليهم بكتابه "معيار العلم في فن المنطق " ،و قد احتضن منطق أولئك الذين هاجمهم بشدة و عنف.
    فمن جهة رفض ميتافيزيقا أرسطو و أتباعه الفارابي و ابن سينا و من جهة أخرى تبنى منطقهم، أوليس منطقهم حلقة في سلسلة الميتافيزيقا ؟
    و هل يمكن قبول المنطق و رفض الميتافيزيقا و إنما نبع منها ؟
    و قد أسس أرسطو فلسفته الميتافيزيقية في إثبات العلة الأولى ( الله) و تحديد ما يجوز عليه و ما لا يجوز بمقولات المنطق و قياساته من جوهر و عرض و حركة و زمان و خلاء و ملاء و مكان ووجوب و امتناع، فإذا قبلنا هذه المقولات تعين قبول الميتافيزيقا، فإن من التناقض الشديد الفصل بينهما.
    فالمنطق آلة الميتافزيقا ،لأن المنطق والميتافيزيقا شيء واحد كما يقول ذلك الرواقيون، فهو لا يدرس الادراكات الحسية كما تفعل الهندسة في تمثلات مجردة مستمدة من الحواس ، وإنما هو يبحث في تجريدات خالصة.
    يقول الغزالي في الجزء الرابع من " معيار العلم " في أقسام الوجود و أحكامه: الجوهر و الأعراض التسعة: "الكم و الكيف و المكان و الزمان و الإضافة و الملك و الفعل والانفعال و الوضع" و هذه مقولات أرسطو في القطيغورياس لم يغير فيها الغزالي شيئا لا في العدد و لا في المفهوم، مع أن مفهومها يتعارض مع الإسلام ، بل خالف حتى المتكلمين من طائفته فإن الفلاسفة يقصدون بالجوهر ما يقوم بذاته و ميزوا بين الجوهر الأول و الجوهر الثاني هو الأجناس و الأنواع و الفصول و اعتبروا الجسم المركب من المادة و الصورة جوهرا كما اعتبروا المادة جوهرا و الصورة جوهرا بينما المتكلمون يخصصون اسم الجوهر بالجوهر الفرد الذي لا ينقسم و يسمون كل ما يقبل القسمة جسما لا جوهرا.
    كذلك المتكلمون العقل عندهم فطري بينما ذهب الغزالي تقليدا للفلاسفة إلى التفريق بين العقل الهيولاني و العقل بالملكة و العقل المستفاد و العقل الفعال.
    فقال الفارابي و ابن سينا بوجود عقول مفارقة فعالة هي جواهر صورية ذات ماهيات مجردة عن المادة يسمونها الملائكة هي المشرفة على إخراج العقل البشري من الاستعداد إلى القبول و نفى المتكلمون وجود جواهر قائمة بنفسها و غير متغيرة و لقد قلد الغزالي أرسطو في الأصول الميتافيزيقية لمنطقه تقليد الأعمى لم يجد سبيلا للاهتداء و لما شعر بذلك قال في نفس الفقرة: فإن قيل: فهذا الحصر أخذ تقليدا من المتقدمين أو عليه برهان! قلنا : التقليد شأن العميان (....) بل هو ثابت بالبرهان " فزعم أن هذه الأجناس العشرة موجودة معلومة بالعقل و الحس.
    لقد تكلف الغزالي القول بالمنطق و خلفيته الميتافيزيقية و قال (ص: 158):" الأشياء تتركب من مبدأين هما المادة والصورة".
    لقد شعر الغزالي بحقارة كتابه "المعيار" و أنه مجرد ترديد لكلام أرسطو فحاول تدارك ذلك بزعمه أنه رتبه للتعريف بمصطلحات القوم حتى تعرف لغتهم و يفهم كلامه في "التهافت".
    تناقض الغزالي:
    ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى وذلك أنه صرح بالحكمة كلها للجمهور وبآراء الحكماء على ما أداه إليه فهمه وذلك في كتابه الذي سماه بالمقاصد وزعم أنه إنما ألف هذا الكتاب للرد عليهم ثم وضع كتابه المعروف بتهافت الفلاسفة فكفرهم فيه في مسائل ثلاثة من جهة خرقهم فيها الإجماع فيما زعم وبدعهم في مسائل وأتي فيه بحجج مشككة وشبه محيرة أضلت كثيرا من الناس عن الحكمة والشريعة جميعا ثم قال في كتابه المعروف بجواهر القرآن إن الذي أثبته في كتاب التهافت هي أقاويل جدلية وأن الحق إنما أثبته في المضنون به على غير أهله ثم جاء في كتابه المعروف بـ مشكاة الأنوار فذكر فيه مراتب العارفين بالله وقال : إن سائرهم محجوبون إلا الذين اعتقدوا أن الله سبحانه غير محرك السماء الأولى وهو الذي صدر عنه هذا المحرك وهذا تصريح منه باعتقاد مذاهب الحكماء في العلوم الإلهية وهو قد قال في غير ما وضع : إن علومهم الإلهية تخمينات بخلاف الأمر في سائر علومهم وأما في كتابه الذي سماه المنقذ من الضلال فتحامل فيه على الحكماء وأشار إلى أن العلم إنما يحصل بالخلوة والفكرة وأن هذه المرتبة من جنس مراتب الأنبياء في العلم وكذلك صرح بذلك بعينه في كتابه الذي سماه بكيمياء السعادة فصار الناس بسبب هذا التخليط والتشويش فرقتين : فرقة انتدبت لذم الحكماء والحكمة فرقة انتدبت لتأويل الشرع وروم صرفه إلى الحكمة وهذا كله خطأ بل ينبغي أن يقر الشرع على ظاهره ولا يصرح للجمهور بالجمع بينه وبين الحكمة لأن التصريح بذلك هو تصريح بنتائج الحكمة لهم دون أن يكون عندهم برهان عليها وهذا لا يحل ولا يجوز أعني التصريح بشيء من نتائج الحكمة لم يكن عنده البرهان عليها لأنه لا يكون مع العلماء الجامعين بين الشرع والعقل ولا مع الجمهور المتبعين لظاهر الشرع فلحق من فعله هذا إخلال بالأمرين جميعا أعني بالحكمة وبالشرع عند أناس."المجموع".
    المهم أن تعلم أن المنطق هو فلسفة الفلسفة و من أخذ به فقد أخذ بلب الفلسفة، و عليه فإن الغزالي أكثر فلسفة من بعض المتفلسفة، فهو أولا كما تبين لك يتبنى المنطق بأصوله الميتافيزيقية، و ثانيا أخذ بفلسفتهم في الأخلاق و النفس و المعرفة فقال في مراتب العقل أنه ينقسم إلى العقل بالقوة و عقل بالفعل و عقل مستفاد ( ميزان العمل ص:11).و زعم أن للعلوم الإلهية طريقين هما الكشف الصوفي و البرهان العقلي الفلسفي (ميزان العمل ص:59) فحطم أركان الإسلام عن آخرها، بل لم يبق للنبوة أثرا، و أخذ بمفهوم العدالة عند أفلاطون و بتقسيمه لقوى النفس إلى ثلاث قوى : مفكرة و شهوانية و غضبية (ميزان العمل ص: 68‍). و قال مثل أفلاطون أن المعرفة عملية فأنكر ضروب المعرفة الأخرى المتلقاة من السمع و الأخبار.
    و أحيانا لا يستطيع أن يسوق أمثلة من عند نفسه فيقتبسها من كتب ابن سينا كما فعل مع المشكاة المذكورة في آية النور أخذها عن ابن سينا.
    لقد بلغ من تسليمه للفلاسفة أن سلم لهم بأن الكواكب حية و أنها مدبرة للعالم أسفلها كما ندبر نحن أجسامنا، و لها فعل اختياري و فعل اضطراري و غير ذلك من النزعات الوثنية ( معراج السالكين ص:94).
    ولو نظرنا في قول الغزالي :"ليس بالإمكان أكثر مما كان" ثم نظرنا في قول أفلاطون و أرسطو: إن بداية الفلسفة التعجب ومنتهاها عدم التعجب،حيث يتحقق الإنسان أن الوجود لا يمكن أن يكون على غير ما هو عليه علمنا مأخذ الغزالي وكيف أن المتكلمين دخلوا في الفلسفة ولم يستطيعوا الخروج منها.
    وهذا المذهب هو أصل القول الذي أخذته المعتزلة و الصوفية من أنه ليس في الإمكان أحسن من هذا العالم،لأنه في عرفهم لما أوجدت العلة الأولى هذا العالم فمجرد خروجه للوجود هو في ذاته نقص عن كمال العلة الأولى، و ليس في مقدور العلة الأولى أن يصدر عنها عالما يساوقها في الكمال، فهذا العالم أقصى ما صدر عن قدرة الواحد المحض لأنه صدر عن غير اختياره و إرادته وعليه لزم انه لم يختار صورته وكماله فلم يكن بمقدوره أن يصدر عنه في غير ما هو عليه لانعدام الاختيار،ففي عرف هؤلاء الهمج ليس في مقدور الباري أن يخلق عالما أكمل من هذا العالم ودون كمال الباري ، وبهذا تعرف أن عالم المثل و عالم المعاني،وعالم الأنوار عند الصوفية هو عالم الله ليس عالم الآخرة، فعالم الآخرة عالم مخلوق الجنة و النار مخلوقتان، وقد علمنا أن الجنة أكمل من الدنيا بل وهي درجات درجة أكمل من درجة وكما قال تعالى:{ ولدينا مزيد}، و النار أسوأ من الدنيا،فلزم أن الله خلق العالم على هذه صورة بمشيئته و اختياره ووفقا لحكمته،فالعالم الأخروي أكمل من العالم الدنيوي،أما تقسيم الوجود إلى عالم المثل و المعاني و الأنوار والعقل فهذا تقسيم يوناني فلسفي باطل و إن قال به بعض المنتسبين للإسلام لأن القرآن يقسم الوجود إلى عالم الشهادة و عالم الغيب، وعالم الغيب ليس عالما مثاليا أو عقليا نورانيا بل عالما محسوسا يحس فيه المؤمن بالنعيم و الكافر بالعذاب ولكنه غيبي غير مشاهد،وبهذا تعرف أن قول بعض المتصوفة كالغزالي بالمعراج القدسي لا يقصدون انتقال الروح إلى العالم الأخروي المحسوس بل إلى عالم عقلي نوراني مثالي.
    هذه المقالة:" ليس في الإمكان أبدع مما كان" قال الزبيدي في"إتحاف السادة المتقين" في شأنها انه يفهم من العبارة العجز من الجانب الإلهي عن الإتيان بالأحسن وهو كفر صريح،غير أن العبارة ذهل الناس عنها في بعض الأحيان لاستشعارهم بجلالة قدر الغزالي ، و استحالة صدور عبارات عنه، يستشعر منها مخالفة لأصل من أصول العقيدة".
    وقد أنكر هذه المقالة أبو بكر بن العربي فقال:" إن شيخنا أبا حامد الغزالي قال قولا عظيما انتقده عليه أهل العراق قال: ليس في القدرة أبدع من هذا العالم في الإتقان و الحكمة، و لو كان في القدرة أبدع منه و ادخره لكان ذلك منافيا للجود ... إلى أن قال: ونحن و إن كنا قطرة في بحر فإنا لا نرد عليه إلا بقوله ثم قال: فسبحان من أكمل بشيخنا هذا فواضل الخلائق ثم صرف به عن هذه الواضحة في الطرائق".
    وممن رد هذه المقالة ناصر الدين بن المنير الإسكندري في"الضياء المتلألئ في تعقب الإحياء للغزالي" قال: المسألة المذكورة لا تتمشى إلا على قواعد الفلاسفة و المعتزلة"
    وكذلك رد عليه برهان الدين البقاعي في كتاب خاص " دلالة البرهان على أن في الإمكان أبدع مما كان" مخطوط في دار الكتب الوطنية بتونس رقم 17934.55 ـ أ ـ80 ـ أ[ذكره عدة باحثين منهم الطاهر المعموري].
    وقد اضطر الغزالي في عصره إلى تأويلها فذكرها في الأجوبة المسكتة،كذلك تأولها له ابن عربي و الجيلي وعنهم نقل الشعراني.
    و الطائفة الثالثة: أنكرت نسبة المقالة إلى أبي حامد و أنها مدسوسة في كتبه مستندهم في ذلك أنهم عرضوها على كلامه في كتبه فوجودها مع كلامه على طرفي نقيض، و المقالة مناقضة لما ورد في مواضع من الإحياء و المنقذ من الضلال و المستصفى"."إتحاف السادة المتقين"{1/33}
    قلت: من الذين تأولوا للغزالي ابن عجيبة في شرحه للحكم العطائية "إيقاظ الهمم شرح متن الحكم"{36/1} قال:" قال بعض العارفين ليس في الإمكان أبدع مما كان وتأويله أن ما سبق في علم الله يكون لا يمكن غيره فلا أبدع منه"
    و كما ترى الغزالي في واد وهو في واد فإن الغزالي يتكلم عن الإبداع و المقصود هنا القدرة لا العلم و المشيئة.
    أما قول الزبيدي أن هذه المقالة تأولها ابن عربي للغزالي فليس بدقيق بل استغلها في تقرير عقيدته وهو وحدة الوجود ومتى كان الوجود واحدا لم يكن بينه فرقا قال في " الفتوحات المكية"{290/1}:"فصدق قول الإمام أبي حامد ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه ليس أكمل من الصورة التي خلق عليها الإنسان الكامل فلو كان لكان في العالم ما هو أكمل من الصورة التي هي الحضرة الإلهية وصل سر إلهي كل خط يخرج من النقطة إلى المحيط مساو لصاحبه وينتهي إلى نقطة من المحيط بذاتها إذ لو كان ما تقابل به نقطة من المحيط غير ما تقابل به نقطة أخرى لانقسمت ولم يصح أن تكون واحدة وهي واحدة فما قابلت النقط كلها على كثرتها إلا بذاتها فقد ظهرت الكثرة عن الواحد العين ولم يتكثر هو في ذاته فبطل قول من قال إنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد"
    فابن عربي يقصد هنا التكثر في الواحد و الواحد في الكثرة، وقد احتفل بهذه المقالة في الفتوحات المكية احتفالا كبيرا بحيث دار على جميع جهاتها فذكرها مرات عديدة لأنها تصب في عقيدته مباشرة.
    اسمع ما يقول الغزالي في الفلاسفة الذين جعل طريقتهم أصح الطرق للوصول إلى الله قال في (المنقذ ص: 73،74) :" منتهى إيمان من قرأ مذهب فلسفة الإلهيين منهم : أن يقول : لست أقل هذا تقليدا، و لكني قرأت علم الفلسفة، و أدركت حقيقة النبوة، و أن حاصلها يرجع إلى الحكمة و المصلحة، و أن المقصود من تعبدانها ضبط عوام الخلق و تقيدهم عن التقاتل و التنازع و الاسترسال في الشهوات؛ فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف، إنما أنا من الحكماء أتبع الحكمة و أنا بصير بها مستغن فيها عن التقليد !؟
    وتعلم ذلك من كتب ابن سينا و أبي نصر الفارابي، هؤلاء هم المتجملون بالإسلام، و ربما ترى الواحد منهم يقرأ القرآن، و يحضر الجماعات و الصلوات، و يعظم الشريعة بلسانه، و لكنه مع ذلك لا يترك شرب الخمر، و أنواع من الفسق ‏و الفجور! (....) حتى إن ابن سينا ذكر في وصية له كتب فيها:" أنه عاهد الله تعالى على كذا و كذا و أن يعظم الأوضاع الشرعية، و لا يقصر في العبادات الدينية و لا يشرب تلهيا بل تداويا و تشافيا، فكان منتهى حالته في صفاء الإيمان و التزام العبادات أن استثنى شرب الخمر لغرض التشافي".
    هذا عرض موجز لبعض محطات التفكير الفلسفي عند الغزالي تظهر مدى توغله في الفلسفة و انه حارب مذهبا واحدا منها، ونصر مذهبا آخر،في الحلقة القادمة نذكر المقالات الفلسفية الأفلوطينية التي نقلها الغزالي بحذافيرها، ونستكمل مناقشة الكاتب السعودي إن شاء الله تعالى.
    والسلام علكيم ورحمة الله وبركاته.
    أرزيو/الجزائر في 10 رمضان1430
    مختار الأخضر طيباوي
    --------------------------
    الهامش:
    1- يقول في "الإحياء" (27/1):" الإلهيات: هو بحث عن ذات اللّه سبحانه وتعالى وصفاته وهو داخل في الكلام أيضا.
    أما عن المنطق فيقول في الصفحة نفسها:" هو بحث عن وجه الدليل و شروطه، ووجه الحد وشروطه وهما داخلان في علم الكلام". يعني أن لها نفس حكمه من تحريم الاشتغال بهما، وأنهما لا يفيدان طريقا إلى اللّه.
    2- قلت: هذا كلام ابن سينا في" المدخل من كتاب الشفاء" المأخوذ أصلا عن الفارابي ،المأخوذ عن أرسطو،وهو كلام من لم يعرف الأنبياء أو لم يجعلهم من مصادر العلم و المعرفة بالله سبحانه،إذا العلم أولا و قبل كل شيء خبر الأنبياء عن الله وهم فيما يخبرون صادقون مصيبون،إذ ما اختصوا به من جنس العلم الهي لا يشركهم فيه غيرهم،و العلم الهي قسمان: علم بالله و علم بأمره و نهيه،وهذا لا يعرفه إلا الأنبياء بواسطة الوحي، فكيف يكون العلم تصور و تصديق، نعم في غير علوم الإلهية،ولهذا طالما جرى الغزالي خلف الفلاسفة ظنا منه أنه قد يجد عندهم العلم الإلهي فانتهى إلى الحيرة و الاضطراب و التناقض.
    إن شئتم أن يتجسّد العلم ،لا بُد من العقيدة فالتوحيد عليه مدار الحياة .{ أَصْلُهَا ثَابِتٌ } [لا إله إلاّ الله ثابتة في القلب ]والقلب محلّ العقيدة { وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء{24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا }معنى هذا الجانب العملي أي امتدّت عروق التوحيد في كل أماكن ونواحي القلب وتمكنت منه فلم تبق مكانا لمن يعيش معها من غير ذلك [أي ممّا يفسد القلب]

    [السبيل إلى العمـــل بالعلمـ : لشيخنا العيد شريفي ]

    www.forums.el-houda.org/

    http://www.salafie.net/vb/

  2. #2
    عضو ذهبي
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    الجزائر ـ بومرداس ـ
    المشاركات
    3,920

    Thumbs up الجواب عن مقال جريدة الشرق الأوسط عن ابن تيمية والفلسفة الحلقة2


    الجواب عن مقال جريدة الشرق الأوسط عن ابن تيمية والفلسفة الحلقة2
    بسم الله الرحمان الرحيم
    جواب الأخ البومرداسي عن مقال جريدة الشرق الأوسط
    عن ابن تيمية و الفلسفة

    الحلقة الثانية
    الحمد لله وحده،و الصلاة و السلام على من لا نبيّ بعده، وبعد...
    قال الكاتب السعودي:
    أما ابن تيمية فلم يشتغل بالفلسفة إلا بعد موتها رسميا واختفائها من بلاد الشام ومصر والعراق وذلك بعد عام 710 تقريبا، حيث اقبل على قراءة كتب الفلاسفة بنهم شديد، ولم يفرق بين كتب فيلسوف وآخر، بل نكاد نجزم انه قرأ كل ما وقع تحت يده من كتب فلسفية، لكن ما سبب هذا الاهتمام المتأخر من ابن تيمية بالفلسفة بعد موتها؟

    قلت:كون ابن تيمية كان له نهم شديد بالقراءة فهذا غير مستغرب من العلماء ،فهذه صناعتهم، ومثله ولابد أن يدرس كتب الفلسفة التي أفسدت عقائد الإسلام دراسة متعمقة حتى يمكنه الرد عليهم وبيان وجه بطلان أقوالهم للمسلمين المغترين بمقالات الفلاسفة.
    أما قول الكاتب السعودي :" لكن ما سبب هذا الاهتمام المتأخر"،فقول غير دقيق كأنّ ابن تيمية أدرك الفلاسفة الذين كانوا قبل حملة التتر على بغداد ، ولم يشتغل بالرد عليهم، و انتظرهم حتى ماتوا! ولم يبق من يواجهه منهم ثم بدأ الاشتغال بالرد على الفلاسفة؟! ولذلك قال هذا الكاتب في عنوانه:" هل كان نقد ابن تيمية للفلسفة ضربا في ميت؟".
    قال الكاتب السعودي:
    لم يقرأ ابن تيمية الفلسفة دارسا ومتعلما ولا باحثا فيها عن حقيقة، بل قرأها مجادلا مخاصما إلا أن خصومته لم تكن مع الفلاسفة، بل كانت مع طوائف أخرى غيرهم، فابن تيمية دخل في صراع مع ثلاث طوائف، هي: الشيعة وأهل الكلام والصوفية
    .
    قلت: كون ابن تيمية رحمه الله لم يدرس الفلسفة بحثا عن الحق فيها فهذا أمر معروف عنه، مشهور في كل كتبه، فهو القائل : القول الحق القرآن و الحال الحق الإيمان ،فعند ابن تيمية الحق لا يخرج عن الكتاب و السنة، و أهل السنة يعرفون الحق الذي جاء به الرسول؛ وهو الذي اتفق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول؛ ويدعون إليه؛ ويأمرون به نصحاً للعباد، وبياناً للهدى والسداد.
    أما مع من كانت خصومة ابن تيمية فقد كانت مع كل من يعاند القرآن والسنة بسفسطة في العقليات أو قرمطة في السمعيات، وكلما كانت الطائفة المبتدعة أكثر تأثيرا على المسلمين كانت الخصومة معها أشد و خصّها ابن تيمية بأوفر نصيب من الدراسة و الردود، ولذلك تجده يرد حتى على الفقهاء الذين انتهجوا طريق التعصب والتقليد المذموم، ويرد على اليهود و النصارى، وبطبيعة الحال كان رده على الفلاسفة من جهتين: من جهة كون الفلسفة هي الخلفية الخفية لمقالات المتكلمين، ومن جهة أن بعض الفلاسفة المنتسبين للإسلام تكلموا في مسائل دينية فجاءهم الرد باعتبار انتسابهم للإسلام.
    قال الكاتب:
    وفي دراسته لهذه الطوائف رأى ابن تيمية أنها استمدت بعض أصولها من الفلسفة ووجد نفسه بحاجة إلى سند «عقلي» يستعين به على إثبات العقائد السلفية،

    قلت:إذا كانت جل مقالات المتكلمين خاصة المتأخرين منهم أصلها في "الإشارات" ، و " النجاة" و "الشفا" لابن سينا كان من مقومات المنهج العلمي الرصين و الموضوعي الرد على الأصل، فببيان فساد مادة هذه الكتب و أنها موغلة في فلسفة الإغريق تقوم الحجة و يندحر الباطل.
    أما أن ابن تيمية كان يبحث عن سند عقلي يثبت به العقائد السلفية فهذا يدل على ما سبق و بينته أن الكاتب لا يعد معقولا إلا ما جاءت به الفلسفة،فلم يفرق الكاتب بين الدليل العقلي و الذي يسمى عقليا لكون العقل يتصوره و يقره، وبين الاصطلاح الفلسفي،ذلك أن الرد على طائفة ما باصطلاحها، و نقد هذا الاصطلاح، و بيان انه يتبطن معان وثنية أو باطلة لا يعني استمداد الأدلة العقلية منهم.
    فهذا من جنس مقاتلتهم بسلاحهم، قال ابن تيمية {66/4}:
    " ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات، كالسلاح في المحاربات فإذا كان عدو المسلمين في تحصنهم وتسلحهم على صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس والروم، كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع، وهو الأصلح في الدنيا والآخرة، وقد يكون الخبير بحروبهم أقدر على حربهم ممن ليس كذلك، لا لفضل قوته وشجاعته ولكن لمجانسته لهم، كما يكون الأعجمي المتشبه بالعرب ـ وهم خيار العجم ـ أعلم بمخاطبة قومه الأعاجم من العربي وكما يكون العربي المتشبه بالعجم ـ و هم أدنى العرب ـ أعلم بمخاطبة العرب من العجمي."
    قلت:وقد يحصل من بعض أهل العلم تقصير في التعريف بالشريعة بلغات الناس ومصطلحاتهم، ومن البعض الآخر تفريط في معرفة حقيقة الدين ومراتب الأعمال و مقاصد الشريعة التي تعم كل العلوم وكل الأفكار، ومنهم من وفقه الله للاعتدال، فاشتغل بالفروع دون أن يضيع الأصول، و جعل علمه للإصلاح المجتمع.
    وهذا ملخص للدكتور محمود يعقوبي يبين الأسباب الحقيقية التي تقف وراء نقد ابن تيمية للفلسفة و المنطق الصوري تجيب على إشكالات الكاتب السعودي كلها ويبين مزايا النقد العلمي الذي تفرد به شيخ الإسلام:
    قال الدكتور في الفصل الثالث:نقد المنطق بعد ابن تيمية {ص:230}:"و الآن بعد تعرف مختلف هذه المواقف يمكننا أن نتعرف قيمتها بإزاء موقف شيخ الإسلام في نقده للمنطق المشائي، و إذا كان معنى النقد في الأصل هو النظر إلى الدراهم لمعرفة جيدها و زيفها، و بالتالي لمعرفة قيمتها و إصدار حكم قيمي في شأنها، فإن هذا المعنى إذا نقلناه إلى ميدان المنطق، كان نقد المنطق معناه النظر في أصوله وفي وقائعه للحكم عليها إيجابا أو سلبا، وفي ضوء هذا يمكننا أن نلاحظ أن شيخ الإسلام قد نظر في أصول المنطق المشائي، فوجد بعضها صحيحا و متينا لأنه ثابت في طبيعة العقل بالفطرة، و بعضها عليلا و هشا لأنه مصطنع ولدته لدى بعض الناس مقتضيات غير طبيعية يمكن اجتنابها لأنها ليست ضرورية.
    وقد تبين لنا من خلال تتبع هذا النقد أن صاحبه على بينة تامة من آراء خصومه و أن له معرفة عميقة بالإسلام عقيدته و شريعته، و أن له نظرا ثاقبا و غيرة متبصرة على الإسلام ولدا فيه روح نقدية قد عدها بعض المفكرين الإسلاميين المحدثين ضربا من النعرة[الأستاذ إبراهيم مدكور في"أورقانون أرسطو" التي تكون قد صغرت في عين صاحبها منطق اليونان و فلسفتهم، إلا أننا نعتقد أن شيخ الإسلام ما كان لينقد المنطق اليوناني لولا حرصه على حماية الدين الإسلامي مما شأنه أن يفسد أصوله، ويهون عليه التحول عنها عن طريق ممازجة الصحيح للفاسد، ومداخلة الفطري للاصطناعي، ومصاحبة المنطق للميتافيزياء اليونانية عامة و المشائية خاصة.
    لقد انبرى لنقد المنطق المشائي لأنه سبق له أن نقد الفلسفة اليونانية التي كان خصوم الإسلام يستعملون بعض آرائها للطعن فيه، والتي وجد هو أصولها دعائم استند إليها المنطق الأرسطي و خليفته المنطق المشائي حتى في ثوبه الإسلامي الأول.
    إن نقد الإمام ابن تيمية للمنطق المشائي جزء من نقده الشامل للفلسفة اليونانية، و إذا كان بعض الناس يعدون الحماسة في النقد عيبا، فإن هذا العيب إن جازت نسبته لسلوك الناقد، فإنه لا يمكن نسبته إلى طبيعة النقد و قيمته، فالقول الحق لا تعيبه اللهجة التي يقال بها، ومع ذلك فإننا لا نرى أن غيرة ابن تيمية على دينه هي وحدها التي جعلت منه ناقدا للمنطق المشائي، إذ الغيرة على الدين هي التي حركت جميع من أفتوا من أئمة الإسلام بتحريم الاشتغال بالمنطق المشائي تعليما و تعلما، لكننا نرى أن الروح النقدية المتأججة و المعرفة الدقيقة بمسائل المنطق المشائي و أصوله، و بالعلوم العقلية عامة، و الدراية الشاملة بالعلوم النقلية، هي التي عندما اجتمعت فيه جعلت منه ناقدا للمنطق المشائي.
    و يمكننا أن نرتب على هذا الرأي أن سائر أئمة الإسلام الذين استعرضنا مواقفهم من المنطق المشائي لم تجتمع فيهم هذه المؤهلات الثلاثة في وقت واحد، مما جعل بعضهم يحرم المنطق بناء على أقوال مخالفة للدين قالها بعض المشتغلين به، وليس بناء على كشف الدراسة و النقد عن وجود خلل ذاتي فيه يوجب تعليق العمل به، و إذا وجد بين هؤلاء من كان قد عرف ذلك و أدركه فإنه لم يصرح به ولم ينقل عنه انه اعتمده في حكمه على المنطق، إذ لو كان ذلك قد حصل بالفعل لعلمه شيخ الإسلام ولاستشهد به وهو الحريص على دعم موقفه بأقوال أئمة الإسلام، فلم يعرف عن الأئمة المجتهدين ولا عن ابن الصلاح و النووي أنهم اشتغلوا بالمنطق دراسة أو تدريسا، و إن كان ليس من المستبعد أن يكون هذان الإمامان قد عرفا منه بعض المسائل عند طلبهما العلم في مؤسسات القرن السادس الهجري الذي كانت فيه كتب المنطق التي تركها ابن سينا و الغزالي رائجة متداولة بين الناس، لاسيما بعدما مزج حجة الإسلام علم الأصول بالمنطق، إلا انه لا يفوتنا أن نلاحظ أن الأئمة المجتهدين إنما صرحوا بمنع الاشتغال بالفلسفة اليونانية القائمة على أصول مخالفة لأصول الشريعة، ولم يبادر إلى تحريم المنطق إلا الإمام ابن الصلاح الذي ضمن فتواه قياسا منطقيا منه تولدت فتواه، و إذا كان الإمام السيوطي قد عمل على ترويج فتوى تحريم المنطق بعد ابن الصلاح و النووي حتى بالتأليف، فإنه قد حرص في كتابه "صون المنطق و الكلام" على دفع الاتهام الذي وجهه إليه بعض خصومه بأنه لا يعرف المنطق بالقدر الذي يؤهله للاجتهاد الذي ادعاه لنفسه، ولعل في هذا ما يكفي لبيان أن إفتاءه بالتحريم إنما كان في حدود إثبات صحة ما ادعاه ابن الصلاح من نسبة نفي الإباحة إلى علم الكلام و المنطق، وفي حدود ما اطلع عليه من أفكار لابن تيمية لخصها من كتابه" الرد على المنطقيين" فلم ينقد السيوطي المنطق و إنما روح التنفير من استنادا إلى أقوال ينقلها عن أئمة اتفقوا على اعتباره غير ضروري للعلوم الشرعية.
    و إذا كان بعض الأئمة قد وقفوا من المنطق موقفا نسبيا مثل موقف الإمام السبكي و الأخضري فهم إنما فعلوا ذلك إقتداء بشيخ الإسلام الذي ماز المقبول من غير المقبول منه، ولم يكن ذلك منهم نتيجة بحث و نقد كما كان ابن تيمية.
    أما الذين دافعوا عن المنطق في غمرة موجة تحريمه كالإمام المغيلي و طاش كبرى زاده و حاجي خليفة و صديق بن حسن القنوجي، فإنهم لم يفعلوا ذلك نتيجة دراسة نقدية ، بل لمجرد المحافظة على ما ألفوه، و إذا كانت أهمية هؤلاء المدافعين إنما تتمثل في إيرادهم أقوال الرافضين للمنطق و حججهم، فإن الرافضين للمنطق بالتحريم الكلي أو الجزئي لم يوردوا هم الآخرون الموجبات الموضوعية من داخل المنطق ذاته بصورة مباشرة.
    و أما الذين نقدوه كالصنعاني و ابن خلدون ومحمد مبين و الشربيني و باقر الصدر فإنهم جميعهم لم يبلغوا بنقدهم الشأو الذي بلغه ابن تيمية، و إن كانوا جميعا يرون مثلما يرى أن المنطق الطبيعي يغني عن المنطق الصناعي المعقد، إلا أن الغريب في الأمر هو أن هؤلاء النقاد الذين ظهروا بعد ابن تيمية يبدو أنهم لم يذكروا آراءه النقدية، إما لأنهم لم يعرفوها، و إما لأنهم سكتوا عنها لمخالفة مضامينها لمضامين العقيدتين الأشعرية و الماتريدية اللتين كانتا تتقاسمان البلاد التي نشأ فيها هؤلاء النقاد[أبو زهرة في" ابن تيمية" و غولدسيهر في" العقيدة و الشريعة في الإسلام"].
    إنهم لم يبنوا عملهم النقدي على عمله الذي سبقهم به، بينما بنى هو نقده على نقد من سبقه و استفاد منه في توسيع آرائه و في تنويع حججه وفي دعمها في جميع الحالات، فجاء نقده متضمنا لنقد جميع الذين تمكن من توجيه آرائهم الوجهة التي اقتنع أنها الوجهة الصحيحة التي ينبغي أن تكون للمنطق في الثقافة العربية الإسلامية، و إذا كان بعض المؤلفين المسلمين الهنود الذين تعرضوا لفكرة كفاية المنطق الطبيعي عن المنطق الصناعي مثل الشيخ صديق بن حسن القنوجي صاحب"أبجد العلوم" قد عرفوا آراء شيخ الإسلام بإطلاعهم عليها في كتاب"الرد على المنطقيين" الذي كان معروفا في الهند، فإن القنوجي قد اكتفى بإحالة القاريء على كتاب شيخ الإسلام قائلا:" ارجع إلى كتاب رد المنطقيين لابن تيمية رحمه الله و اعلم أن جواباته كثيرة و كلها صواب حق[أبجد العلوم ج2، ص:523] وهو بهذه الإشارة المقتضبة يعطينا فكرة واضحة عن موقف النظار المسلمين من عمل شيخ الإسلام حتى القرن الثالث عشر وهو موقف لم يكن ليبلغ مستوى موقف ابن تيمية النقدي إلا لو تظافرت على توليده لديهم المؤهلات التي اجتمعت للإمام ابن تيمية، وهي التضلع في الشريعة، و المعرفة العميقة بالفلسفة اليونانية و المنطق المشائي، وتوفر الروح النقدية المتولدة من الغيرة المتبصرة على الدين، و الشعور بالأخطار التي أحذقت به حتى في عقر داره في عهد الحروب الصليبية، وهو الذي خاض غمارها بقلبه و لسانه و سيفه، ولعل روح النقد إنما أججتها في نفسه أوضاع التحدي التي ألمت بالحضارة الإسلامية التي كان هو أحد أساطينها في نهاية القرن السابع و بداية القرن الثامن الهجري.
    و بهذا يتبين لنا أن نقد ابن تيمية للمنطق المشائي قد بقي نسيج وحده في الفلسفة الإسلامية، لأن أسبابا موضوعية حالت دون معرفة قيمته و الاستفادة منه تؤول في جملتها فيما يبدو لنا إلى ضعف الباحثين الذين خلفوه في العلوم العقلية و النقلية وخمود روح النقد فيهم، إذا لولا ذلك لكان بإمكان الفلسفة الإسلامية أن تسلك بمواصلة نقد المنطق المشائي في الاتجاه الذي ابتدأه الإمام ابن تيمية المسلك الذي كان ينبغي أن تسلكه منذ عهد الإمام الشافعي الذي وضع أصول [علم الأصول] الذي يمكن أن يعد بحق " منطق الشريعة" الذي يستمد مبادئه منها، و الذي يكون أداة لمعالجة المسائل المعرفية و العملية التي تعكسها في ذهن المسلم وقائع الحياة كما تجري في تجربته الحسية، لأن النظار المسلمين مجمعون على أن مصدر المعرفة إنما هو التجربة الحسية، و أن مباديء المعرفة و العمل واحدة، فلم يكن بالإمكان أن يكون المنطق الذي يصدر عنه الفكر الإسلامي إلا منطقا تجريبيا على النحو الذي لجأ إليه شيخ الإسلام من خلال نقده للمنطق المشائي، و الذي لم يتعرفه عن كثب كثير من علماء الدين الأزهريين حتى في القرن الرابع عشر الهجري مثل الشيخ عبد المتعال الصعيدي الذي رأى أن:" ابن تيمية تعسف في إبطال الحد بتعذر الوصول إلى ذاتيات الأشياء وكما تعسف في إبطال القياس بأن الدليل لا يلزم أن يكون مركبا من مقدمتين"[مقدمته لكتاب"تجديد علم المنطق في شرح الخبيصي على متن التهذيب للتفتازاني"].
    لكن الذين عرفوا جهد الإمام ابن تيمية عن كثب و تعمقوا دراسته ولو من خلال أصغر النصوص النقدية التي تعبر عنه مثل كتاب"نقض المنطق" قد أدركوا قيمة هذا الجهد و قدروه حق قدره كما فعل أحد الأئمة الأزهريين المعاصرين هو الشيخ محمد أبو زهرة الذي وافق شيخ الإسلام على آرائه في المنطق المشائي[ كتابه"ابن تيمية"ص:255].
    ومن هنا يتبين لنا أن نقد ابن تيمية للمنطق المشائي كان في حاجة إلى من يعرفه معرفة مباشرة و يدرسه دراسة عميقة، بحيث يحق لنا أن نقول: إن هذه المعرفة و هذه الدراسة لو توفرتا للناظرين منذ الوهلة الأولى ولو تناولته النظار بالتأمل و التنمية لكان له الأثر الحسن في تصفية الفكر الإسلامي من شوائب الفلسفة اليونانية التي عكرت صفوه ردحا من الزمان وفي توجيه مناهج البحث عند المسلمين الوجهة الطبيعية التي تطابق روح شريعتهم، فلقد تمكن الدكتور علي سامي النشار المتوفى في سنة 1983 من إماطة اللثام عن وجود مناهج للبحث عند مفكري الإسلام من خلال نقدهم للمنطق الأرسطي و قد وجد أن " ابن تيمية نقد المنطق الأرسططاليسي نقدا تفصيليا، و أنه ترك لنا بهذا النقد تراثا علميا ممتازا"[مناهج البحث عند مفكري الإسلام ص:200].
    إلا أن الذي لا مراء فيه هو أن هذا النقد لم يقيض له الله في العصور السالفة من يقف عليه وقفة العارف بخطر مداه، الواعي لقيمة فحواه القادر على فهم جدواه في حماية الأصالة و تحقيق التقدم في ميادين الفكر، ومناهج التفكير و الاستدلال، إذ كما يقول الشيخ مصطفى عبد الرزاق:"لو أن الدراسات المنطقية سارت منذ عهد ابن تيمية عل مناهجه في النقد بدل الشرح و التفريع و التعمق لبلغنا بهذه الدراسات من التجديد و الرقي مبلغا عظيما"[فيلسوف العرب و المعلم الثاني ص:125 نقلا عن عبد الرحمن الوكيل في مقدمته لكتاب "نقض المنطق"لابن تيمية"].
    لقد تميز منهج ابن تيمية فيما يخص نقده العلمي و المنهجي لمنطق المشائين بسيولة علمية متناسقة و بانسجام في الطرح فجاء نقده في سياق علمي مضبوط بحيث ذكر أسباب نقده للمنطق و تعليلات توجهاته ثم لخص نظريته في المعرفة و التعريف و العلاقة بين التعريف و التمييز فبحث التصور و الماهية بحثا دقيقا خلص منه إلى ضبط آليات الدليل العلمي و الروح التي تديره و التي هي اللزوم أو الاستلزام فاستعرض القياس و الاستقراء و العلية و عرضهما على الفطرة ليستخلص قيمة القياس في المعرفة بناء على قيمة صحة الاستلزام.
    قال الكاتب:
    وقد لقي ضالته في كتب «فلاسفة الإسلام» فابن تيمية بدراسته للفلسفة يريد ترسيخ قاعدته المشهورة «العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح»، حيث يبين أن المتكلمين والصوفية والشيعة مخالفون لصحيح الفلسفة كما أنهم مخالفون للنقل، وان علماء السلف موافقون للعقل كما أنهم موافقون للنقل ويكون بهذا أبطل «الأساس» الذي بنت هذه الطوائف مذاهبها عليه
    .
    قلت: الشيخ الإسلام انتقد الفلسفة على مراحل أو بمقدمات أنتجت نتيجة يقينية:
    ألف كتاب " الدرء" كتدليل برهاني عقلي جدلي عميق الأبعاد أظهر فيه أن الأدلة النقلية أدلة برهانية عقلية لا يجوز فصلها عن الدليل العقلي مادامت أدلة يدل عليها العقل وتقع تحت محكه، ولكن العقل الصحيح لا العقل الفلسفي الكلامي المنطقي.
    ثم في كتاب" الربوبية " بين نظرية المعرفة عند المسلمين وهي الإيمان والنظر والتجرد، والفرق بين النظر في القرآن الذي يسميه الآيات، وبين القياس العقلي المنطقي، ثم نقض المنطق نقضا علميا دقيقا من خلال نقضه الفلسفة المشائية في كتبه السابقة، وانتهى إلى "النبوات" حيث قرر فيها وجوب تصديق الأنبياء واتباعهم، وان منتهى العلوم يقف عندهم، كما بين فيه ضوابط الدليل بشكل دقيق، فكان نقده للمنطق ثمرة هذا العمل الذي حاصر به الفلسفة من كل جهة، فكان نقضا عقليا برهانيا محضا.
    لقد أدرك شيخ الإسلام خطورة المنطق على العقيدة الإسلامية خصوصا، وعلى أساليب التفكير عند المسلمين عموما، لقد أدرك بحكم سعة اطلاعه على الكتب الكلامية والفلسفية أن المنطق هو السم النقاع الذي يتجرعه المسلمون المشتغلون به، وهم لا يدرون في غالب الأحيان.
    لقد أدرك شيخ الإسلام من خلال تشبعه بطريقة القرآن والسنة في تقرير الحقائق أن المنطق المشائي ماهو إلا شروط القياس الفلسفي اقتضتها التصورات الميتافيزيقية لعقيدة وثنية خرافية، لقد من الله على شيخ الإسلام بالمعارف القرآنية السنية فأدرك أن الفطرة أساس جميع العلوم، وانه بفسادها تفسد طرق الاستدلال وبسلامتها تسلم هذه الطرق، والفطرة هي عقيدة التوحيد، فمن لم يحقق التوحيد لا يمكنه الاستدلال في العلم الإلهي بطرق صحيحة لأن فطرته فسدت، وفساد الفطرة يقتضي فساد الضروريات، فإن الناس لم يزالوا يفكرون بدون منطق، كما لم يزل المناطقة يفكرون بدون منطق، و إن استعملوه فإنما يستعملوه لتحليل فكرهم لا للتفكير به، فما هو إلا صناعة نظرية من باب تحصيل الحاصل.
    قال الكاتب:
    وهناك سبب آخر، وهو سياسي يبين دوافع اعتناء ابن تيمية بالفلسفة، حيث يتهم ابن تيمية الباطنية ومتفلسفة الصوفية بتعاونهم مع «الكفار» ضد المسلمين ويرجع هذا إلى أصول مذهبهم الفلسفي، حيث لا يفرقون بين دين وآخر
    .
    قلت:و إن كان الدافع السياسي لا يعد منقصة إذا كان سياسيا شرعيا فإن هذا الدافع غير موجود بهذا الاعتبار إذ كون الباطنية من الفلاسفة و الصوفية و الرافضة كانوا متعاونين مع الكفار على المسلمين أمر يشهد عليه التاريخ وما رسالة ابن تيمية إلى ملك قبرص إلا شاهد على ذلك، فمن كان يقطع على الحجيج في الشام و يبيعهم للنصارى؟
    و إذا ثبت في التاريخ تعاون هؤلاء مع الكفار على أهل الإسلام فهذا يعني أنهم لا يعتبرون الإسلام دين حق،بل يناصبون أهله العداء.
    فهذا محمد بن محمد بن الحسين المعروف باسم خواجة ـ الطوسي ـ كان يخدم صاحب قلعة الألموت الإسماعيلية ثم خدم هولاكو، وبنى له المراصد الفلكية بمراغة وزيجا فكان هو منجم هولاكو، و كان ابنه أصيل الدين منجم قازان،وقد ذكر غير واحد أنه هو من أشار عليه قتل الخليفة العباسي هو وشيعي آخر يسمى مؤيد الدين بن العلقمي كان وزيرا للخليفة كما ذكره العيني في"الجمان" وابن تغرى بردى في"النجوم الزاهرة".
    وذكر ابن غربشاه في كتابه"عجائب المقدور في أخبار تيمور"أنه رأى الرسالة التي كتبها على لسان هولاكو إلى سلطان مصر،وهي رسالة تدل على حنق شديد على أهل الإسلام وموالاة كبيرة للكفرة،وهذا يؤيده ما كاتبه شيعي آخر هو ابن الطقطقي في كتابه"الفخري في الآداب السلطانية و الذي كان نقيب العلويين في العراق فإنه عندما ذكر دولة هولاكو قال:" نشر الله إحسانها و أعلى شأنها"،والطوسي هذا مشهور بإمامته في الفلسفة و الكلام فقد كان تلميذ ابن سينا القرمطي و عليه تتلمذ الحلي وهما رأس الشيعة الإمامية ليس للشيعة أفضل منهما.
    قال الكاتب:
    * رأي ابن تيمية في الفلسفة
    * شن ابن تيمية حربا ضروسا على الفلسفة والفلاسفة بشتى طوائفهم وعلى اختلاف مذاهبهم، فهو يرى أن الفلاسفة في مرتبة دون كفار اليهود والنصارى، بل يراهم أعظم ضلالا وجهلا من المجوس ومشركي العرب والهند وكثير من الصابئين، ويرى أنهم يفسدون عقائد الناس، ولذا فأنهم (كما يرى ابن تيمية) لا يظهرون إلا في الدول الجاهلية ودول أهل الردة والنفاق، كدولة العبيديين (الفاطميين) والتتار.
    فابن تيمية يرى أن الفلسفة مناقضة للشريعة، وانه لا يمكن الجمع بينهما. وهاجم الذين حاولوا الجمع بينهما، واتهمهم بأنهم أتوا بمذهب متناقض، مخالف للدين ولصحيح الفلسفة، أي: مخالف للمنقول وللمعقول ولهذا السبب منع ابن تيمية من استعمال مصطلح «فلاسفة الإسلام» لان الإسلام ليس فيه فلسفة، ودعا إلى استعمال مصطلح «الفلاسفة الذين كانوا في الإسلام» أو «المنتسبين إلى الإسلام» بدلا منه.
    ومع هذا الهجوم الشديد ضد الفلسفة إلا أن ابن تيمية بين انه لا يريد بنقده هذا إلا مباحث «الإلهيات» من الفلسفة، أما الطبيعيات والرياضيات، فهو يعترف بان غالب كلامهم فيها جيد، وأنهم يقصدون الحق فيها، ويرى أن مذهب الفلاسفة في الطبيعيات والرياضيات خير من مذهب المتكلمين، وان مذهب المتكلمين في الإلهيات خير من مذهب الفلاسفة، واخذ ابن تيمية على المتكلمين ردهم بعض الحق الذي جاء به الفلاسفة في باب الطبيعيات والرياضيات، وهذا الموقف نجد له جذورا عند الغزالي في كتابه «تهافت الفلاسفة».
    وقسم ابن تيمية الفلاسفة أقساما، أعطى لكل قسم منها حكما يختلف عن الآخر:
    أول هذه الأقسام: هم الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو: مثل سقراط وطاليس وغيرهما، حيث يحسن ابن تيمية الظن فيهم، ويرى أنهم تعلموا الحكمة من اتباع الأنبياء، وأنهم كانوا يقرون بحدوث العالم، وبمعاد الأبدان وان الصابئين منهم كانوا موحدين.
    وهذا يدل على أن معرفة ابن تيمية بهؤلاء الفلاسفة ناقصة وغير دقيقة، فالأبحاث الحديثة المتعلقة بهم تبين خطأ ما نقله ابن تيمية عنهم، لا سيما وابن تيمية لم يطلع اطلاعا مباشرا على ما كتبه هؤلاء الفلاسفة، بل اعتمد على ما نقله عنهم مؤرخو المقالات من المسلمين.

    قلت: هذا ليس خاصا بابن تيمية بل أظهرت البحوث الحديثة أن الفلاسفة المنتسبين للإسلام و مؤرخي الفلسفة أنفسهم وقعوا في خلط كبير بين المدارس الفلسفية الإغريقية اليونانية كما سأبينه في هذا المقال.
    ثم إن ابن تيمية يفرق بين الفلاسفة الإغريق بين من قال منهم بقدم العالم وهو أرسطو و بين من قال بحدوثه لا انه يحسن الظن ببعضهم.
    قال الكاتب:
    والقسم الآخر من الفلاسفة الذين تكلم عليهم ابن تيمية هم: المشاؤون، أي أرسطو واتباعه، فابن تيمية يرى أن مذهب أكثر الإسلاميين الذين يذكرونه في كتبهم مثل الفارابي وابن سينا وابن باجه وابن رشد وغيرهم هو مذهب أرسطو، وينبه إلى أن بعضهم مثل ابن سينا والسهروردي، له مذهبان، احدهما مذهب أرسطو والآخر ما يرجحه هو من أقوال
    .
    قلت: هذا مذهب ابن سينا الفلسفي :
    لقد أثرت الفلسفة في بعض المسلمين تأثيرا عميقا حتى خلعوا عقيدتهم وجعلوا القرآن و سنة نبيهم صلى الله عليه و سلم خلف ظهورهم،بل نسبوا له تصريحا أو ضمنا إما انه كان يجهل الحقائق المتعلقة بالعالم العلوي و بالباري سبحانه و تعالى وجعلوا الولي أعلى درجة منه كما هو مذهب الإشراقييين الفرس كالسهروردي أو انه كان يعلمها ولكنه لم يبلغها،أو مثلها بالرموز و الخيال فوجب تأويل أقواله ،ومثل هذه العقائد انتشرت ودخلت المتكلمين و المتصوفين على حد سواء، وفي هذا البحث كنت قد بينت لك بعض الأمثلة على ذلك و أن مرجع هذا الضلال كله فلسفة الإغريق ألبست عبارات عربية و مصطلحات إسلامية.
    ومن عجيب تمرغ هؤلاء في الفلسفة و توغلهم في ضلالها ووثنيتها ما حكاه ابن أبي اصيبعة عن أبي الخير بن الخمار و أبي علي بن زرعة من أنهما ماتا حسرة بمقالة يحي بن عدي في الحجج المبطلة لكتاب القياس.
    فماتوا غما من ضلال في ضلال ولم يموتوا لأنهما لم يفهما القرآن و هجروه و عادوه!
    لقد نسج الرافضة و الباطنية و الفرس الشعوبيون هالة من المجد على ابن سينا وفلسفته حتى أضحى الفيلسوف في أمة الإسلام وكان لهم غرض من ذلك سياسي وعقدي و عرقي،فأرادوا أن يجعلوا الفلسفة في الإسلام صناعة الفرس وحدهم و أن تكون لهم الإمامة في الدين، فلما كان الكندي عربي النسب و الفارابي تركي النسب ركزوا التمجيد على ابن سينا لهذا السبب.
    وقد علمنا أن فلسفة ابن سينا لم تبق في العالم الإسلامي إلا في إيران ،ولما كان هؤلاء جلهم شيعة بل كلهم ولا حض لهم في العلوم الدينية، فلا سند لهم في القرآن و إنما عمدتهم قراءات أهل السنة، ولا سنة عندهم أصلا لعدم علم الجرح و التعديل عندهم ،ولا عندهم روايات مسلسلة بالسند،ولا لهم خلفية في أصول الفقه غنما هي من العلوم الذي دخلتهم متأخرة جدا عن أهل السنة، وجدوا في ابن سينا ما يعوضهم عن ذلك لأنه يرجع كل ذلك إلى العقل و الفلسفة ولذلك لا تجد اهتمام الشيعة خاصة في هذه الأزمنة إلا الاستغراق في بيان فلسفته و شرحها.
    أما أهل التحقيق فيعلمون انه كان عالة على الفارابي و الكندي و أنه لم يتجاوزهما في فلسفته قيد أنملة ولكن بسطها وشرحها فكان ممثلا لها مقلدا لمن سبقه، قال ابن سينا في باب الطبيعيات من "عيون الحكمة":"إن كل جسم طبيعي فهو متقوم الذات من جزأين:احدهما يقوم مقام الخشب من السرير و يقال له:هيولي ومادة، و الآخر يقوم به مقام صورة السرير و يسمى صورة".
    هذا تقليد منه لفلاسفة الإغريق حتى في باب الأمثلة عجز عن الإتيان بأمثلة أخرى فعندما يقول أرسطو:إن الأعيان المفردة متكونة من هيولي أي مادة ومن صورة أي كيفية معينة و يضرب مثال بالخشب و انه الهيولي و السرير المصنوع منه هو الصورة
    فالكندي هو من وضع القواعد لبناء فلسفة إسلامية تعالج إشكالية العقل والوحي،وجاء الفارابي بعده فتناول مشكلة التوفيق بين العقل و النقل،ثم جاء ابن سينا فوجد الطريق ممهدا و أسلوب التلفيق معدا فلذلك لم يكن إلا مفصلا و شارحا لمختصرات الفارابي.
    يدلك على ذلك أن ابن سينا حكى عن نفسه انه قرأ كتاب"ما بعد الطبيعة" لأرسطو ما يقرب من أربعين مرة ولم يفهمه حتى وقف على كتاب الفارابي "شرح أغراض أرسطو في ما بعد الطبيعة".
    غير انه عند مراجع فلسفته تبين انه بخلاف المشهور عنه لم يكن مشائيا محضا بل كان إشراقيا أفلاطونيا محدثا ، فلا يمكن لابن سينا أن يكون مشائيا محضا و مشارب فلسفته من الكندي و الفارابي، ففي رسائله الصوفية يظهر ميله الواضح لمذهب الاشراقي في إطاره الأفلاطوني المحدث،فالفارابي الذي يعد أكثر فلاسفة الإسلام فهما لفلسفة اليونان لم يتمكن من التحرر من الخليط الشنيع الذي ساقته الترجمات السريانية فكان هو ومن اتبعه على مذهب فلسفي أفلاطوني الجوهر و الباطن أرسطي المظهر،وفي هذا البحث كنا قد اشرنا إلى بعض المواضع التي تشير إلى انتساب ابن سينا إلى هذا المذهب فلا بأس بإيجازها مرة أخرى:
    1 ـ فابن سينا يقول:فالحيوان الواحد لا يحصل واحدا، وقد تقدمه معنى الوحدة الذي به صار واحدا ولولاه لم يصح وجوده، فإذا هو الشرف الأبسط الأول، وهذه صورة العقل.
    وعند الأفلاطونية المحدثة: كل ما استقر وجوده في العالم السفلي له في العالم العلوي مثال بسيط مجرد عن قشور المادة، مفارق للمادة قائم بنفسه،فهما عالمان متطابقان: عالم الحس و المشاهدة،وعالم العقل و اليقين أو المثل.
    2 ـ ولو نظرنا في تعريف ابن سينا للشر كما في " إلهيات الشفاء" وهو قوله:إنه عدم كمال لتيقنا أنه كان على مذهب الأفلاطونية الحديثة ، لأن الشر ليس عندهم سوى ابتعاد الكائن عن العلة الأولى فيتناقص نوره فيتناقص خيره وكماله كما في نظرية الفيض و الصدور فالشر يقع في القدر بالعرض و سببه ضعف النور عندما يبتعد عن مصدره الأول فكلما اقتربنا منه علت مرتبة الوجود و ازداد الكمال،فالعالم صدر عن العلة الأولى بالتدريج وقالوا لم يكن من الممكن أن يبرز من العلة الأولى وهي الخير المحض إلا ما هو دونها في رتبة الخير، فمجرد بروز العالم وصدوره إلى الوجود هو في ذاته نقص في الخير و الكمال ومهما تباعدت الموجودات عن أصلها فقد ازدادت نقصا أي تباعدا عن الكمال وهو ما نسميه الشر وماهو في الحقيقة إلا عدم الكمال الواجب لكل نوع .
    3 ـ قال البيروني في كتابه"تحقيق ما للهند من مقولة" قال بروقلس: التذكر و النسيان خاصان بالنفس الناطقة، و قد بان أنها لم تزل موجودة فوجب أن تكون لم تزل عالمة و ذاهلة، إما عالمة : فعند مفارقتها البدن، و إما ذاهلة : فعند مقارنتها البدن، فإنها في المفارقة تكون في حيز العقل، فلذلك تكون عالمة، وفي المقارنة تنحط عنه فيعرض لها النسيان لغلبة ما بالقوة عليه.
    ومن ذلك أخذ ابن سينا قصيدته في النفس:
    هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع
    4 ـ كتاب الحكمة المشرقية الذي لم يصل منه سوى كتاب المنطق، وقد زعم البعض انه كتاب في التصوف،ولكن السهروردي الإشراقي لا يسلم بوجود فلسفة مشرقية بمعنى إشراقية محضة عند ابن سينا و قال : إنه اطلع على كراريس للرئيس أبي علي بن سينا يزعم فيها انه ذكر طرفا من الحكمة المشرقية،ثم ينفي ذلك قائلا: لو كان هذا صحيحا لتضوع ريحها عليه" يقصد انه لو كان إشراقيا حقا لما كان ماجنا مائلا إلى اللهو و الملذات، ثم أورد حجة أخرى وهي كونه لم يشر إلى الأصل الخسرواني أي الفارسي وهو مصدر الحكمة المشرقية في نظر السهروردي.
    فإن لم يكن ابن سينا إشراقيا الإشراق المحض فهذا نسلمه للسهروردي ولكنه كان إشراقيا الإشراق الأفلاطوني الحديث كما هو ظاهر من رسائله الصوفية و من الأجزاء الأخيرة من الإشارات وقد علمنا أن هذا النوع من الإشراق له ظاهر مشائي.
    دور ابن سينا في تلبيس الفلسفة الإغريقية الالفاظ العربية:
    قال القلقشندي في "صبح الأعشى"{264/1}:"قال أبو هلال العسكري رحمه الله: ومن عرف ترتيب المعاني واستعمل الألفاظ على وجوهها بلغة من اللغات ثم انتقل إلى لغة أخرى تهيأ له فيها من صنعه الكلام ما تهيأ له في الأولى. ألا ترى أن عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها لمن بعده من اللسان الفارسي، وحولها إلى اللسان العربي. فلا يكمل لصناعة الكلام إلا من تكمل لإصابة المعنى وتصحيح اللفظ والمعرفة بوجوه الاستعمال.
    قال في المثل الثائر: واعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها، وأول من تكلم في ذلك حكماء اليونان؛ غير أن الحصر كلي لا جزئي، ومحال أن تحصر جزئيات المعاني وما يتفرع عليها من الفريعات التي لا نهاية لها، لا جرم أن ذلك الحصر لا يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم، ولا يفتقر إليه؛ فإن البدوي البادي راعي الإبل ما كان يمر شيء من ذلك بفهمه، ولا يخطر بباله، ومع هذا؛ فإنه كان يأتي بالسحر الحلال إن قال شعراً أو تكلم نثراً.
    قال: ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا، وانساق الكلام إلى شيء ذكره لأبي علي بن سينا في الخطابة والشعر، وذكر ضرباً من ضروب الشعر اليوناني يقال له اللوغاذيا، وقام فأحضر كتاب الشفاء لأبي علي ووقفني على ما ذكره، فلما وقفت عليه استجهلته، فإنه طول فيه وعرض كأنه يخاطب بعض اليونان، وكل هذا الذي ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئاً، ثم مع هذا جميعه فإن معول القوم فيما يذكر من الكلام الخطابي أنه يورد على مقدمتين ونتيجة، وهذا مما لم يخطر لأبي علي بن سينا ببال فيما صاغه من شعر أو كلام مسجوع عمله، وعند إفاضته في صوغ مصاغه لم تخطر المقدمتان والنتيجة له ببال، ولو أنه فكر أولاً في المقدمتين والنتيجة، ثم أتى بنظم أو نثر بعد ذلك، لما أتى بشيء ينتفع به، ولطال الخطب عليه.
    قال: بل إن اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم، لم ينظموه في وقت نظمه وعندهم فكرة في مقدمتين ولا نتيجة، وإنما هذه أوضاع توضع وتطول بها مصنفات كتبهم في الخطابة والشعر، وهي كما يقال:
    قعاقع ليس لها طائل ... كأنها شعر الأبيوردي"
    لقد قام ابن سينا بمزج العناصر الفلسفية المتناقضة بين فلسفة أفلاطون و فلسفة أرسطو، بين فلسفة المثل الأفلاطونية و عناصر فلسفة أرسطو القائمة على ماهو بالقوة وماهو بالفعل،الهيولي و الصورة.
    لقد تمكن ابن سينا بتعديل فلسفة أرسطو إلى حد الخروج عن مقالاته ليقربها إلى الإسلام فمزج بين الإسلام و الفلسفة في نمط أفلاطوني جديد لنظرية صدور المخلوقات جميعا عن الله تعالى و صاغها في المصطلح الأرسطي.
    لقد اثبت العلم الحديث أن كل نوع من الكائنات يختلف عن نوعه،لأن لكل نوع أصل مستقل،وبهذا يتعذر وجود نوع الأنواع.
    لقد قام ابن سينا باقتباس فلسفة اليونان و إفراغها في قوالب إسلامية مؤثرا بذلك على المتكلمين، فالأشاعرة تلقوا عنهم القول بالجزء الذي لا يتجزأ وهو المذهب الذري عند ديموقراطيس و المعتزلة اقتبسوا من أصحاب الرواق وهي فلسفة زينون الكيتوي،واقتبس أصحاب حكمة الإشراق الفارابي و ابن سينا من الحكماء الاسكندرانيين أصحاب أفلوطين وبرقليس وهم قدوتهم،وبهذا تعرف أن علم الكلام تأثربالفلاسفة المنتسبين للإسلام الذين حاولوا أسلمت فلسفة الإغريق بوضعها في قوالب الألفاظ الإسلامية .
    ولذلك هم ـ المتكلمون ـ أكثر تناقضا في تعاطي أصولها و إن كانوا أقرب إلى الحق لأنهم أرادوا التوفيق بينهما.
    ومما يدلك على أن علم الكلام نتاج التوفيق بين الفلسفة اليونانية و الإسلام انك لا تستطيع فهم حقيقة مقالات المتكلمين إلا بفهم مقالات الفلسفة اليونانية وهذا تجده عندما تجد أوهام الفلسفة اليونانية متكررة في علم الكلام فكل من لم يكن له إلمام بالفلسفة لا يستطيع فهم وتصور مقالات المتكلمين ولا تفسير تناقضهم و آخذهم بأصول متناقضة ومقاومة لبعضها البعض.
    فهذا الذي دفع ابن تيمية إلى نقض الفلسفة فإنها أم الكلام عند المتأخرين ورأسه وبموتها يموت الكلام.

    قال الكاتب:
    أما تقويمه لمذهبهم في الإلهيات، فيرى ابن تيمية انه ليس في الطوائف المعروفين اجهل من هؤلاء، ولا ابعد عن العلم بالله منهم، ويضيف «نعم، لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد، وهو كلام كثير واسع ولهم عقول عرفوا بها ذلك، لكنهم جهال بالعلم الإلهي إلى الغاية، ليس عندهم منه إلا قليل كثير الخطأ».
    وابن تيمية يكفر اتباع أرسطو من «الإسلاميين» لمقالات كثيرة يقولون بها، منها: قدم العالم. ومنها: قولهم في النبوة، حيث ينقل عنهم أنهم يرون أن للنبوة ثلاث خصائص، وهي: أن تكون للنبي قوة حدسية وقوة تخييلية وقوة نفسية، مما يبطل كونها من عند الله. ومنها: إنكارهم لمعاد الأبدان، فينقل ابن تيمية عن فلاسفة الإسلام أنهم اختلفوا في معاد الأبدان والنفوس على أقوال: إنكار المعاد مطلقا أو إثبات معاد النفوس العالمة دون الجاهلة أو إثبات معاد النفوس جميعا دون الأبدان وذكر أن هذه الأقوال جميعا منقولة عن الفارابي، وان منهم من يقول بالتناسخ، وهنا ملاحظتان على ما ذكره ابن تيمية: فالفارابي لم يقل بنفي المعاد مطلقا، وأيضا اغفل ابن تيمية قول من قال بإثبات معاد الأبدان من الفلاسفة الإسلاميين، مثل الكندي وابن سينا في أحد قوليه.
    وقد عرض ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه لنقد أرسطو، واتهمه بأنه من اجهل الناس برب العالمين، وبأنه ساحر ووزير لملك ساحر هو الاسكندر المقدوني، ويبدو أن سبب هذه الاتهامات وغيرها من ابن تيمية هو معرفته الناقصة بأرسطو، حيث لم يطلع على كتبه مباشرة، بل نقل مقالاته بواسطة كتب الملل والنحل، وما نقله فلاسفة الإسلام عن أرسطو.
    وعرض ابن تيمية لنقد كثير من الفلاسفة الإسلاميين أتباع أرسطو مثل: ابن سينا وابن رشد ونصير الدين الطوسي وغيرهم.
    والملاحظ على نقد ابن تيمية للفلاسفة المشائين اعتماده على الانتقاء فهو انتقائي ردوده من ردود الغزالي والشهرستاني عليهم ومن المتكلمين كالرازي والارموي وغيرهما ومن ردود بعضهم على بعض ولذا فردوده تكاد تخلو من الأصالة وتقتصر على «الترجيح» بين المختلفين، ولعل السبب في هذا هو أن دراسة ابن تيمية للفلسفة لم تكن دراسة مقصودة لذاتها، بل كانت دراسة هدفها الحجاج مع المخالفين
    .
    قلت: هذا بينه شيخ الإسلام في كتبه خاصة في " الدرء" فهو ليس مقررا للفلسفة حتى يكتب في جميع مواضيعها ،وعليه تعرض فقط للمسائل التي لها علاقة بعقيدة الإسلام .
    أما استفادة ابن تيمية من ردود بعضهم على بعض فهذا حق ومزية له تظهر موضوعيته و استفادته ممن سبقه، فلم يكن يعاني من مركب نقص كما هو عند بعضهم ممن يبغضونه ويرفضون ذكر اسمه حتى دفع ذلك بعض الكتاب و العلماء إلى نقل أقواله دون الإحالة عليه خوفا من الحاقدين، كما حصل للسيوطي، وابن أبي العز، و المعلمي و غيرهم.
    قال في "الدرء": وقد تكلم في ذلك السهروردي المقتول صاحب التلويحات و حكمة الإشراق وغيرهما مع تألهه على طريقتهم ومع أنه في حكمة الإشراق سلك طريقا لم يقلد فيها المشائين بل بين فساد أقوالهم فيها في مواضع وكان كلامه في مواضع متعددة خيرا من كلامهم وإن كانت سمة الإلحاد تتناولهم كلهم.
    فالمقصود بيان الحق وإذا كان بعضهم ينازع بعضا ويرد عليه وكان أحدهما أقرب إلى الحق في ذلك الموضع من الآخر كان بيان رد بعضهم على بعض بما قاله من الباطل مما يؤيد الله به الحق".
    هذا هو قصد ابن تيمية ومنهجه العلمي الموضوعي المبني على الحقيقة العلمية و الإنصاف.
    قال الكاتب:
    أما القسم الثالث من الفلاسفة الذين تعرض لهم ابن تيمية، فهم: فلاسفة الصوفية، أي القائلون بوحدة الوجود، فقد اتهمهم ابن تيمية بأنهم لم يأخذوا مذهبهم من كلام العلماء والشيوخ المشهورين عند الأمة، الذين لهم لسان صدق، بل اخذوا عقيدتهم من الفلاسفة وأخرجوها في قالب المكاشفة.
    وابن تيمية يكفر هؤلاء المتفلسفة من الصوفية، لمقالات يقولون بها، منها:
    قولهم بوحدة الوجود، حيث يذكر ابن تيمية أنهم اخذوا قولهم هذا من الباطنية والقرامطة وأمثالهم. ومنها: قولهم بتفضيل الولي على النبي، وقولهم بان أصحاب النار يتنعمون فيها وقولهم بوحدة الأديان، إلا انه يبدو أن ابن تيمية لم يفهم جيدا مذهبهم في تفضيل الولي على النبي، فابن عربي وضح أن قول الصوفية بتفضيل الولي على النبي يريدون ذلك في شخص النبي، فالنبي من حيث هو ولي أفضل من حيث هو نبي، لا أن الولي التابع له أفضل منه
    .
    قلت: عجيب أمر هذا الكاتب و تناقضه البشع،جعل للنبي صفتين: صفة النبوة و صفة الولاية، و صفة الولاية فيه أفضل من صفة النبوة، أي ما اكتسبه بعمله الذي يصير به وليا أفضل من اصطفاء الله له بالنبوة؟!
    وهل هذا إلا تفضيل الولاية على النبوة؟!
    ثم هذا مخالف المشهور عن أئمة المسلمين بان من الصوفية من جعل الولي أفضل من النبي قال ابن حجر في "الإصابة": وقد قال الثعلبي: هو نبي في سائر الأقوال وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقد يحل من الزندقة اعتقاد كون الخضر نبياً لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي إلى أن الولي أفضل من النبي كما قال قائلهم:
    مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي"
    وعليه،فتعليل الكاتب لكلام ابن عربي ضعيف وبعيد و مقالات ابن عربي الباطلة كثيرة جدا ليس هذا موضع استقصائها.
    و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على اشرف المرسلين .
    و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    أرزيو/الجزائر في 11 رمضان1430
    مختار الأخضر طيباوي
    إن شئتم أن يتجسّد العلم ،لا بُد من العقيدة فالتوحيد عليه مدار الحياة .{ أَصْلُهَا ثَابِتٌ } [لا إله إلاّ الله ثابتة في القلب ]والقلب محلّ العقيدة { وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء{24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا }معنى هذا الجانب العملي أي امتدّت عروق التوحيد في كل أماكن ونواحي القلب وتمكنت منه فلم تبق مكانا لمن يعيش معها من غير ذلك [أي ممّا يفسد القلب]

    [السبيل إلى العمـــل بالعلمـ : لشيخنا العيد شريفي ]

    www.forums.el-houda.org/

    http://www.salafie.net/vb/

  3. #3
    عضو ذهبي
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    الجزائر ـ بومرداس ـ
    المشاركات
    3,920

    افتراضي رد: ابن تيمية والفلسفة ..جواب الشيخ مختار لي عن مقال الكاتب السعودي


    الجواب عن مقال جريدة الشرق الأوسط عن ابن تيمية والفلسفة الحلقة الثالثة
    بسم الله الرحمـن الرحيم
    جواب الأخ البومرداسي عن مقال جريدة الشرق الأوسط
    عن ابن تيمية و الفلسفة

    الحلقة الثالثة
    قال الكاتب السعودي:
    وقد هاجم ابن تيمية فلاسفة الصوفية بشدة قاسية، حيث كفّر ابن عربي وابن سبعين والقونوي والتلمساني وغيرهم.
    أمّا القسم الرابع من الفلاسفة الذين عرض لهم ابن تيمية فهم الباطنية، حيث يرى أنهم من المتفلسفة المنتسبين إلى الإسلام، وأن أصل دينهم مأخوذ من المجوس والصابئين، وأنهم يتظاهرون بالتشيع وهم في الأصل ملاحدة. وهم عنده أشد في الكفر من الفلاسفة أمثال الفارابي وابن سينا.
    وكذلك نقد ابن تيمية المنطق، لكن ما يهمنا هنا هو بيان سبب نقده له، فابن تيمية نقد المنطق لأنه وجد أنّ من أصول فساد قول المتكلمين والفلاسفة في الإلهيات هو ما ذكروه في المنطق.
    فمقصده من نقد المنطق هو نقد «الإلهيات».

    قلت: لم يكن نقض ابن تيمية للمنطق لأنه أساس الإلهيات الفاسدة عند الفلاسفة فقط بل لأنه أصل نظرية المعرفة عندهم، فالمنطق لا تقابله الإلهيات بل هو أداة الخوض فيها ولكن يقابله مصدر التلقي، فالمنطق مصدر التلقي عن الفلاسفة بينما عند المسلمين مصدر التلقي النبوة.
    وعليه كان نقض المنطق نقضا لنظرية المعرفة الفلسفية.
    فهذا المنطق علم يجري استنتاجاته وفقا لقوانين العقل الذي يعمل به، وهو عقل وثني عميق في الميتافيزيقا اليونانية، بل أي عقل آخر كيف له أن يضع قوانين توجب لله هذا، و تمنع عنه ذاك؟!
    فالمنطق المشائي الصوري لا يعالج إلا الأحكام التحليلية التي تعبر عن العلاقة بين المحمول والموضوع إذ المحمول محتوى في الموضوع، وبهذا يظهر أنه في ذاته عقيم أي لا يكفي نفسه بنفسه.
    فالحقيقة المنطقية عديمة التأثير على العمليات الفكرية الواقعية، ولذلك استغنت العلوم المختلفة عن المنطق، ولم تعمل بأي مبادئه، ومع ذلك أنتجت علما وأدركت حقائق، لأنها علوم لا تكترث بالصواب والخطأ المثالي أو التجريدي بل بالصواب والخطأ في الواقع.
    فالمحمولات في علم المنطق ليست سوى صيغ محدودة للفهم تفرض حدا للحقيقة بدلا من أن تعبر عنها، والذهن الإنساني يشعر شعورا فطريا بأنّ المحمولات التي موضوعها الله أو الغيب تخفق في استيعاب الموضوع، لأنّ الله سبحانه وتعالى خارج عن مجال تصور العقل البشري.
    والفهم الإنساني يجد نفسه في مجاله الفطري عندما يحدد المحدود الطبيعي فهذا نشاطه لأنه لا يعرف من الصور إلا ما كان محدودا، لكنه يدرك عدم قدرته على التصور إذا كان موضوع التصور هو الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار ولا تدرك كنهه العقول كما يقول أهل السنة والجماعة.
    ولما كان الله ليس كمثله شيء، فإن أي قياس منطقي يكون محموله الله تبقى مقدمات هذا القياس منفصلة عن محمولها ومنعزلة لأنها غريبة عن محمولها الذي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.
    إن الفلاسفة يسوقون موضوعاتهم على نسق شمولات وإطلاقات يتساهلون في إقرارها، فلهم تصورات شائعة في عقائدهم المنطقية منها يفترضون موضوعاتهم، فخذ أية قضية تجد المحمول محتاج إلى التصور الشائع، وهذه التصورات الشائعة تجدها تحتاج إلى تعريف ثابت ودائم، وهم لا يعرفون الله، ولا يعرفون النبوات، ولا يستطيعون التعريف به لأنهم ينفون صفاته وأسمائه، فكيف يعرف بدون صفاته وأسمائه ؟
    وعليه تجد محمولات القياس الفلسفي الكلامي مناطا لكثير من التأويلات التي يتنازعون حولها، وما كان كذلك لم يصلح أن يكون مقدمة القياس.
    فالله سبحانه وتعالى ليس قضية جزئية تقع تحت قياس تمثيلي، ولا قاعدة كلية يناط بها الحكم في قياس شمولي إنه رب العالمين، و مالك يوم الدين، لا يحيطون بشيء من علمه، وسع كرسيه السموات والأرض.
    إشكالية التصور:
    لكي ننظر في شيء ما يجب أن نكون متصورين له، لكنه لا يلزم من ذلك أن يكون للتصور وجود مسبق بالضرورة أو أن يكوّنه العقل بدون مواد من الخارج والواقع، وعليه فالعلم يكون بالاهتمام بالمضمون الواقعي للتصور لأنه هو المضمون الحقيقي للتصور، فإن تجريد التصور يوقعنا في مكننة الفكر ويتردى بنا في الآلية الصرفة التي لا تنسجم مع نفسية الإنسان وفطرية الفكر، فتجريد التصور من كل مضمونه الواقعي يتيه معه الإنسان في مماحكات سخيفة تنتهي به إلى الاستدلال الفارغ من كل مضمون، وإذا كان التصور هو إدراك العقل موضوعه في ماهيته دون إثبات ولا نفي، وقد علمنا أنّ هذا لا يكون إلاّ في الذهن فإنه في الخارج لا واسطة بين النفي و الإثبات، ومن هنا لم يكن التصور واقعيا بل كان نظريا بحثا، ففكرة العلة فطرية في الإنسان كما هوة فطري طلبها والعقل يكون فعّالا في إدراكها عند ملاحظة اطراد الوقائع.
    وبهذا تعرف أنّ الاستمرار في تحليل الظواهر الذهنية إلى أقصى حد كما هو في المنطق الصوري يكدّر العقل البشري، ولا ينتج معرفة ذات قيمة واقعية، والتصور تعتريه أحوال النفس فمن جهة قد يكون مجرد وعي بقضية وقد يكون هو فعل العقل كما في التصور الصوري.
    بيان أوجه العقم المعرفي في المنطق الصوري:
    1 ـ إذا قدر بعض الناس كابن سينا والغزالي وغيرهم أنّ المنطق هو علم الشروط العليا للصادق والصدق المعرفي لأنه أداة عصمة العقل من الزلل، وقد تبين لكثير من الناس أن المنطق الصوري لا يكفي نفسه بنفسه و أنه محتاج دائما أن يطبق على شيء، وأن يكون معمولا من أجل العلم الفلسفي، فهو غير خارج عن أصول الفلسفة، ومعمول لتبرير هذه الأصول، فنظرية القياس فيه ليست سوى عمل تمهيدي لنظرية البرهان والعلم الموجودة في التحليلات الأخيرة عند أرسطو، والتي الغرض منها تبرير فلسفة أرسطو في الوجود، وتقسيمه إلى مادة وصورة، وجعل منتهى العلم إدراك العلة الأولى.
    وإذا عجزت فلسفة أرسطو وأفلاطون عن تبرير صدور الكثرة عن الواحد ـ المحض البسيط في عقيدتهم ـ وعجزت عن تبرير وشرح الاتصال بين عالم الوجود الحسي وعالم المثل عند أفلاطون وعالم العقل عند أرسطو رغم أن الإسنكدرانييين أسعفوها بنظرية الفيض والصدور لزم أن المنطق المعمول لعصمة العقل من الزلل ولتكوين معارف صادقة في أعلى شروط الصدق قد أخفق هو الآخر، و بالتالي كان عقيما في أخص خصائصه، لا يولّد علما متساوقا مع فطرة الإنسان خال من التناقض، وهو علم يزعم له الخلو من التناقض!.
    2 ـ إن علم المنطق هو علم الكلي والكليات، قال أرسطو أن العلم موضوعه التصور والمعنى العام والكلي، لذلك كانت قواعده تجري في عالم مثالي هو العالم الذهني وهذه القواعد عديمة التأثير على العمليات الفكرية الواقعية لأنها لا تفرق بين الحقيقة المنطقية التي هي حقيقة ذهنية، و بين الحقيقة الطبيعية التي هي حقيقة واقعية.
    وإذا جاز أن نقول إن الحد الأوسط وإن كان هو العلة ويمثل الجانب التجريبي في المنطق الصوري إذ لا يستخلص الحد الأوسط إلا من الحس وهذا يعطينا قيمة التجربة الحسية في بناء المعرفة التي لم يتركها أرسطو تنطلق إلى وجهتها حتى جاء المنطق التجريبي ومنطق الاستقراء لأن المنطق وقياسه بقي رغم تجريبية الحد الأوسط بقي مرتبطا بمتيافزياء الوجود التي هو أداتها رغم أنف المتكلمين
    3 ـ من معلوم لكل قارئ يقرأ أقسام العلوم عند الفلاسفة ومقدمتهم في المنطق أنهم جعلوه علما يكتسي طابعا وثوقيا ذهنيا ثم يتبين أنّ القائلين به لم يتّفقوا على شيء واحد مما ينتجه هذا المنطق عند ممارسته في المعرفة، نعم قد يكونون متوافقين عليه في إطاره النظري أو قل متوافقين على المنطق اللفظي منه أما عند إعماله لم نجدهم متفقين على شيء حتى المقولات أو المحمولات اختلفوا فيها زيادة ونقصا وهذا يدل على عقمه.
    4 ـ إنّ المنطق الصوري في جوهره يمثل فلسفة للصورة والتصور في الجانب الكيفي ولذلك يتعارض مع النبوات تعارضا تاما، وما قرينة الجسمية الزائفة التي يصرف بها المتكلمون ظاهر النصوص إلى التعطيل إلاّ دليلا على عقمه في الإلهيات حيث لا كيف.
    5 ـ إذا كان التصور في المنطق الصوري يعبّر عن ماهية الشيء دون الوصول إلى الواقع فلا يهتم بمضمون التصور الواقعي ولا بالتكوين النفسي للتصور ولا بقيمة التصور الموضوعية بل موضوعه الصحة الذاتية للتصور لزم أنّه عقيم لا ينتج علما يتفاعل مع الواقع، ويبقي الإنسان المفكر في الخيال المحض.
    6ـ من المعلوم أن إمكان التصور هو صلاحيته الميتافيزيائية للوجود، فالموجودات المنطقية إنما ينظر إليها من حيث هي ممكنات سيان وجودها بالفعل وعدمها، بل يمكن أن تكون موجودات ذهنية أو تعبيرا عن مجرد نفي"العدم"، وهذا هو العقم بعينه، ولذلك كانت معارفهم الإلهية معارف سلبية.
    شكلية المنطق:
    المنطق في حقيقته لا ينظر إلى الفكر من حيث هو عملية الفكر بل من حيث هو نتاج الفكر فهو لا يعالج التصور و الحكم و الاستدلال بل التصورات و الأحكام و الاستدلالات وهو لا يقدر على غير ذلك.
    و إذا سلم أهل هذا المنطق بأننا لا نفكر بدون صورة والصورة المجموعة في التصور لا تطابق صور أفراد المجموع فردا فردا لزم أن صورة المجموع مشوّهة.
    وبهذا تعرف أنّ التصور ليس شيئا آخر غير صور جمعية تم تعديلها وبالتالي لا يكون وحدة صالحة لسلسلة غير محدودة من الوقائع، و قد يزعمون أن المنطق الأرسطي يفترض فلسفة عامة واقعية، وهم يسلمون بأنه لا واقع إلا من الفرد ولا علم إلا من الكلي فهذا تناقض بين واقعية فردية و واقعية عامة، فلما أدركوا أنه لم يبق للواقع في منطق أرسطو إلا بقايا مندثرة والواقع هو ما يضفي صفة الثبوت على علم ما زعموا أنه يقوم على فلسفة عامة واقعية ليزعموا له نوعا من الثبات، وقد علمنا أن تقسيم الوجود إلى مادة وصورة ليس من الواقع في شيء.
    قال الكاتب السعودي!
    * أثر الفلسفة في ابن تيمية
    * لا يمكن لأي شخص أن يتعمق في دراسة مذهب فكري أو فلسفي دون أن يتأثر به من حيث يشعر أو لا يشعر، ولا بد أن يستفيد من دراسته تلك
    .
    قلت: من جهة يصف الكاتب رد ابن تيمية على الفلسفة بأنه لم يكن كاملا بل كان على شكل مقتطفات من هنا وهناك ينقل رد هذا على ذاك، وهذا يفرغ رده من محتواه الشرعي ومن جهد ابن تيمية، ومن جهة دراسته للفلسفة كانت متعمقة حتى أثرت فيه سواء شعر بها أو لم يشعر، كأنما الكاتب يشعر بدل ابن تيمية؟!
    يريد الكاتب أن يسلب ابن تيمية أية مزية في نقده الفلسفة فهو من جهة استعان بالفلاسفة على الفلاسفة، ومن جهة تأثر بها فإن كان هناك شيئا أجاده أو أصاب فيه فبحكم تأثير الفلسفة فيه؟!
    قال الكاتب السعودي!
    فما الذي استفاده ابن تيمية من الفلسفة، وما الذي أخذ منها؟
    هذا جانب مهم من جوانب ابن تيمية الفكرية، أغفله الدارسون، فلا نكاد نجد من دراسات في هذا الجانب إلا دراسة عبد المجيد الصغير «مواقف رشدية عند ابن تيمية»، وبعض الإشارات عند باحثين وعلماء آخرين، مثل الشيخ محمد زاهد الكوثري ود. محمد علي أبو ريان
    .
    قلت:إذ قد بين الكاتب مصادره ـ متفلسفان و متكلم !ـ فقد عرفنا خلفيته وإلى أين يقصد.
    وأنا أقول له صراحة وبداية : لم يستفد ابن تيمية من الفلسفة شيء إلا بيان تناقض القوم وضرب بعضهم ببعض أما المسائل العلمية في العقيدة و بيان مصدر التلقي و إقرار النبوات فلم يأخذ منها شيئا، أي لم يستفد منهم في إقرار الحق شيء ولكن استفاد منهم في رد الباطل و الشبه عن الحق.
    قال الكاتب السعودي!
    ولا يمكن أن أحيط (من حيث الكم أو الكيف)، بما أخذ ابن تيمية من الفلاسفة، إلا أنني سأكتفي بالإشارة إلى بعض الجوانب:
    1 ـ ينقل ابن تيمية كلام الفلاسفة ليرد به على المتكلمين، كما في رد ابن رشد على الغزالي.

    قلت: اعتبار الفصول التي نقلها من كلام الغزالي وابن رشد والمناظرة المكتوبة التي جرت بينهما أي رد ابن رشد على الغزالي لا يعتبره استفادة إلا من يعتبر كل نقل وحكاية لكلام الناس في العالم استفادة منهم.
    وقد رجح ابن تيمية أحيانا كلام ابن رشد كما في الجواز المحض وغيرها ورجح كلام الغزالي كما في إثبات الصفات وعلاقتها بالذات فمن أين لهم أنه استفاد من ابن رشد في الرد على الغزالي وقد نصر الغزالي على ابن رشد في مواضع كثيرة.
    قال الكاتب السعودي!
    2 ـ ويرد ابن تيمية على المتكلمين، لا سيما المتأخرين منهم ببيان أن أصول مناهجهم في الاستدلال مأخوذة من مناهج الفلاسفة وأقوالهم
    .
    قلت:أين الاستفادة من الفلسفة هنا؟!
    عندما نقول:فلان استفاد من الفلسفة يعني في بناء عقيدته أو فكرته هذه الاستفادة الحقيقية و قد نعتبر من الاستفادة الاستعانة بالفلسفة لإبطال الفلسفة ولكن ليس هذا المقصود الأول من الاستفادة التي يعبر عنها الكاتب بكلمة تأثّر.
    قال الكاتب السعودي!
    3 ـ يرى ابن تيمية أن تأويلات المتكلمين وابتداعهم هي التي مهدت الطريق للفلاسفة وتأويلاتهم، فيحتج بهذا على إبطال تأويلات المتكلمين.

    قلت: يجاب عنه بالجواب السابق نفسه.
    قال الكاتب السعودي!
    4 ـ واستفاد ابن تيمية من رد بعض الفلاسفة على بعض، فاستفاد من ردود ابن رشد على ابن سينا وردود السهروردي على كثير من الفلاسفة وردود ابن ملكا على الفلاسفة وردود ابن سبعين على غيره.
    فابن تيمية يأخذ من كلام الراد ليبطل به كلام المردود عليه، هذا في المسائل التي يكون الراد موافقا لابن تيمية فيها، اي ان ابن تيمية عندما يريد الرد على قول لأحد الفلاسفة يأخذ اي رد على هذا القول لأي فيلسوف آخر.

    قلت:نعم بشرط أن يكون قول الراد منهم مبطلا لقول المردود عليه بحق موافقا للحقيقة العلمية، فإن كلام الكاتب يفهم منه أنه كان يرد بما يقع تحت يده ولو كان باطلا ،وهذا غير صحيح ، وكتب شيخ الإسلام أمامه.
    قال الكاتب السعودي!
    5 ـ أما من ناحية الاستفادة المباشرة، فقد استفاد ابن تيمية من كثير من الفلاسفة، ومنهم:
    ـ ابن ملكا: وهو أعظم الفلاسفة تأثيرا في ابن تيمية، ونجد تأثيره الكبير في استعانة ابن تيمية بكلامه في الرد على المتكلمين، في مسألة «حلول الحوادث» أو «قيام الأفعال الاختيارية بالله» ومسألة «العلم الإلهي».

    قلت:أبو البركات كان يهوديا عاش في بيئة سنية ولما أسلم نفعته بيئته التي عاش فيها، وهو من أعقل الفلاسفة لم يكن منخرطا بكليته في فلسفة الإغريق مثل ابن سينا والفارابي حتى يدافع عن هراء وجهل حتى عند الفلاسفة المعاصرين مثل نظرية الفيض والصدور.
    ولذلك كان أول من أبطلها وكان أول من نقض ابن سينا في كثير من المسائل في العلم والنفس، أما أنه أثر في ابن تيمية فهذه كلمة فيها كثير من التجاوز لأن كون هذا الفيلسوف أقرب للإسلام من ذاك، و كلامه أجود و استعارة مقدماته و أدلته الصحيحة لإبطال الباطل دون الاعتماد عليها كلية بل الاعتماد على الكتاب و السنة لا علاقة له بالتأثر من أية جهة كانت.
    قال الكاتب السعودي!
    وقد استفاد منه أيضا في نقده للمنطق، في مسألة نقد «فكرة الحد عند أرسطو»، كما استفاد منه في مسألة «الأقيسة الشرطية»
    .
    قلت: قد ذكر ابن تيمية في كتبه النظار المسلمين الذين انتقدوا المنطق ولم يذكر ابن ملكا فقط، فقد ذكر حتى الشيعة مثل النوبختي و من المعتزلة النظام ، ولاشك أن اطلاعه على نقدهم للمنطق أعانه على صياغة نقض متكامل للمنطق المشائي.
    وقد بينت في هذا الرد أن نقض ابن تيمية للمنطق لم يسبق إليه ولم يكتف بنقضه فقط بل رسخ علميا البديل له، و هو أسلوب و منهج المسلمين في المعرفة.
    قال الكاتب السعودي!
    ـ ابن رشد: وقد استفاد منه ابن تيمية كثيرا، لا سيما في رده على ابن سينا، وفي رده على المتكلمين، وبخاصة إبطال قاعدتهم في «قياس الغائب على الشاهد» وكذلك في إبطال استدلالهم على وجود الله، عز وجل، بدليل حدوث الأعراض وغير ذلك كثير من المسائل.
    والفلاسفة الذين استفاد منهم ابن تيمية كثير، تحتاج دراستهم إلى وقت طويل، ومكان ليس هذا محله.
    وينبغي الإشارة إلى أن «الجزم» بتأثير فيلسوف معين على بن تيمية في مسألة معينة أمر يحتاج إلى الدقة وعدم التسرع، فمجرد التشابه لا يعني أن ابن تيمية نقل ذلك القول من ذلك الفيلسوف، بل لا بد من شواهد أخرى تورث اليقين أو الظن الغالب بذلك الرأي
    .
    قلت: قد أجاب الكاتب نفسه وعندما يترك الإجمال نجيبه.
    قال الكاتب السعودي!
    6 ـ واستفاد ابن تيمية من الفلاسفة في الرد على المتكلمين في إبطالهم «التسلسل في الماضي» أو ما يعرف بـ «حوادث لا أول لها»، وذلك في تفريقه بين قدم الآحاد وقدم النوع
    .
    قلت:إذا كان الفلاسفة يقولون بقدم العالم فكيف استفاد منهم قولا يناقض قولهم؟!
    قال الكاتب السعودي!
    7 ـ ولما كان ابن تيمية في معرض الجدال مع الفلاسفة والمتكلمين، فقد استعمل ألفاظهم ومصطلحاتهم، وهذا ما لم يفعله السلف، ولذا فقد وضع قاعدته المشهورة وهي: «مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم»، حيث يقول: «وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه، إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة أذا لم يحتج إليه».* كاتب وباحث سعودي

    قلت: : السلف لم يتطور في وقتهم البحث في حدوث العالم ، وإثبات وجود الله ، فهذه المسألة كانت في وقت الأشعري وقبله بقليل ، ولكن مذهب السلف في كلام الله والصفات عموما هو معنى ما ذهب إليه شيخ الإسلام بالاستنباط ، فلما كانت المسألة المشهورة عند السلف هي مسألة الكلام فصلوا فيها و أبانوا عن مذهبهم بخلاف مسألة حدوث العالم أو بدء الحوادث، فإنك تجد مذهبهم فيها في مسألة الأفعال الاختيارية كصفة الكلام وغيرها.
    وكما قال شيخ الإسلام في" المنهاج"{110/2}:" الكتاب والسنة يدل بالإخبار تارة ، ويدل بالتنبيه تارة، والإرشاد والبيان للأدلة العقلية تارة."
    ولذلك تجد تفاصيل هذه المسائل عند المتاخرين، وقد اشتد الخلاف حول صفات الأفعال، فوجب رد الأمر لأصوله، وبناء هذه المسألة على اعتقاد السلف .
    وهذا الآن تفصيل يوضح بعض ما أشار إليه الكاتب السعودي وطرحه على شكل نقاط هي أشبه بالشبه و التشكيك مثل قول ابن تيمية بان الفسلفة في الألهيات أكثرها كفر، و انها افسدت مذاهب المتكلمين،وككون مذهب وحدة الوجود هو المذهب الذي انتهت إليه الفسلفة في العالم الإسلامي وحتى عند الإغريق و لذلك خصّه ابن تيمية بنقض مفصل دقيق، وبيّن أنه مذهب فلسفي لا علاقة له بالإسلام مما يدعم قول ابن تيمية بانهم شر من اليهود و النصارى خلافا للكاتب السعودي.
    وكذلك بيان اضطراب المتكلمين و الفلاسفة المنتسبين للإسلام في تحقيق مقالات الفلاسفة الإغريق،ومسألة وحدة الأديان التي نسبها إليهم وغيرها من مسائل أثارها الكاتب السعودي فهذا جوابها.

    إشكالية التصور الفلسفي:إن المنهج المعرفي في الفلسفة يعتمد على مبدأ تعليق المعارف والأفكار الموجودة ولو كانت حقا قام عليه الوجود شاهدا،فالفيلسوف لا يسلم بما هو موجود حتى يثبت هو بعقله أنه موجود ، ولو جاز لنا التعبير عن هذا الموضوع لقلنا : إن الموجود بالنسبة للفلسفة لا يكون موجودا حتى تثبت الفلسفة انه موجود ،ومع ذلك نقول:إذا لم تستطع الفلسفة إثبات وجوده وهو مع ذلك موجود وعرفنا وجوده بما رفضت الفلسفة استعماله من طرق المعرفة النبوية والفطرية الضرورية، أفيكون الخلل في الموجود أم في منهجها في المعرفة؟
    فإذا كان الذهن الفلسفي المفكر لا يرتفع إلى المعرفة إلا بتكوين أفكار شاملة هي تمثلات ذهنية ، كان هذا افتراض للوجود الذهني ، ومعلوم بالاتفاق وببداهة العقول أن وجود الأشياء لا يفتقر إلى وجودها في الأذهان.
    وعليه كان وجود الموجودات في الفلسفة وجودا ذهنيا لا حقيقة له في الواقع ، فثبت إذن الشك في قدرة الذهن على إثبات الحق الموجود بكل صفات وجوده كما يثبته الأنبياء إلها موصوفا بصفات الكمال .
    وبهذا تعرف أن التصور لم يكن ولن يكون مناط لمعرفة الحق الموجود فلم تبق إلا الضروريات وأخبار الصادقين و هي عند الأنبياء و أتباعهم.
    الفلسفة ـ كما عند هيجل ـ فكر ثان أو لاحق أو تال ، وهو يقصد أن هناك فكرا أولا، هو الذي يكون في حياة الناس اليومية ، والفلسفة تدرس هذا الفكر وتستخلص منه فكرا ثان ، فالفلسفة تأتي متأخرة بعد أن تكون الحياة قد دبت بين الناس بالفعل ، فلا تظهر الفلسفة حتى يكتمل بناء الواقع ، وهكذا كان في التاريخ البشري لم تظهر حتى عرف الناس كل الحقائق المتعلقة بوجودهم ومصيرهم فظهرت متأخرة بعد عصر موسى عليه السلام .
    وإذا كانت الفلسفة فكرا ثان فتصورها للأشياء تصور ثان،ولذلك لم تستطع التخلص من إشكالية الدور في التعريف فإذا كان الحاد للشيء لا يحده إلا بمعرفة سابقة للحد قد تكون مجملة تعقبها بواسطة الحد معرفة أكثر تفصيلا منها،علمنا أن عملية التحديد التي يجريها الفيلسوف هي عملية استثمار للمعرفة المجملة يبقى الإشكال هو أن المعرفة المجملة هي الفكر الأول و المعرفة التي تعقب التحديد المنطقي فكر ثان،ولم تبرهن الفلسفة أن الفكر الثاني أحسن و أصدق من الفكر الأول في كل ما ادعته،فهاهنا قضيتان:
    1 ـ ليس التحديد وحده من طرق التعريف و التمييز،مادام مسبوقا بمعرفة وهذه المعرفة أنتجت معارفا منها المنطق، بينما بقي المنطق عقيما لا ينتج معرفة ملموسة بحيث أننا وجدنا المعارف المنطقية عند ممارسة المعرفة تصطدم دائما بالمعارف الحسية و التجريبية وتصير مجرد نظرية لها نوعا من القوة و الوجود ما دامت في إطار التجريد الذهني.
    2 ـ التحديد هو وصف اصطلاحي لعملية فكرية فطرية،فمن المتفق عليه بين العقلاء أن الإنسان يمكنه أن يفكر بدون المنطق ، تماما كما يمكنه أن يبصر دون أن يدرس البصريات ، فإذا كان تفكيره بعد دراسة المنطق لا يعدو القدرة على التصنيف والمقابلة لم يكن في هذا أي مدح للمنطق ، فلإن قدرة الإنسان على الإبصار دون أن يدرس البصريات لا تتغير بعد أن يدرسها .
    إن كليات المسلم أن الله هو الخالق البارئ المصور الرازق الغفور الحليم المحي المميت الجبار العلي المستكبر الحي القيوم ، وكليات الفيلسوف أن الله هو الله لأنه لا يعدو أن يقول : إن الله هو العلة الأولى ، أو المحرك الأول ومع ذلك يبقى اسم الله أكثر دلالة و أعمق تأثيرا في النفس من أن نقول عنه هو العلة الأولى أو واجب الوجود .
    إن معرفة المسلم بربه معرفة ترتبط ارتباطا وثيقا بمعرفته بالجنة والنار والحشر والعقاب والموت وعذاب القبر والحسنة والسيئة ، بينما معرفة الفيلسوف بالله سبحانه ليست مرتبطة إلا بالوجود كوجود، ولذلك لا يترتب عن علمهم أي عمل.
    إن الفرق بين تصور الفيلسوف وعلمه وتصور المسلم وعلمه ، هو أن تصور وعلم الفيلسوف مجرد ترتيب لصور جوار بعضها البعض باتصال غير مؤثر ، فما يفصل المقدمة الأولى عن المقدمة الثانية مجرد حرف الواو ، بينما علم المسلم السني هو ربط العلاقة بين الكلي والجزئي ، بين السبب والنتيجة ، بين العلم والعمل، بين العمل والجزاء .
    إن المنطق والفلسفة ليسا أكثر من تحويل تصورات ذهنية مجردة إلى أفكار بحسبها و أقصد بالأفكار اصطلاحات لحركة الفكر داخل الذهن كاللغة بهذا الاعتبار هي عمل من أعمال الفكر ، ومع ذلك إذا تكلم إنسان عادي عجوز أو صبي باللغة لم نقل عنه : إنه مفكر ، فكذلك مجرد وصف الفيلسوف لعمل من أعمال الفكر لا يعني أنه يفكر ، فإذا قال :إن ما يتصوره الإنسان في ذهنه معتقد وجوده في الخارج يسمى الشيئية ، وهذا يسمى الحد الأول ، وهذا يسمى الحد الأوسط ، وهذه تسمى مقدمة ، وهذا يسمى كل وبعض لم يعد عاقل هذه التسمية فكرا شاملا!
    و إذا كان المنطق هو الأداة للبحث عن الحقيقة، فإن الدين هو الحقيقة فما لم ينته المنطق إلى طلب الدين و أخبار الأنبياء علمنا أنه أداة للضياع والجهل.
    فهل نحن قادرون على معرفة الحق سبحانه بالتصور المنطقي الكيفي إذ يبدو أن هناك ضربا من التنافر وعدم التجانس بيننا بوصفنا موجودات مخلوقات محدودة الحجم و العلم وبين الحق الذي هو أكبر من قدراتنا الفكرية ليس كمثله شيء، كيف لنا أن ندرك الوجود إدراكا يحيط به ولم نحط إدراكا بعقولنا ،فما بالك بباري الوجود؟
    عداء الفلسفة للدين:
    منذ وجدت الفلسفة لم تتوقف عن مهاجمة الدين ، فأنكرت عقائد راسخة في الملل ، لأنها مهما ادعت لنفسها من فكر وعقلانية ومعرفة فإنها عجزت عن إنجاز ما أخذت على عاتقها وهو إسعاد البشر في الدنيا والآخرة، إن الدين الذي جاء به الأنبياء دين متكامل يدبر شؤون الحياة في جميع نواحيها بينما الفلسفة لا دين فيها ولا حقيقة ، إلا أن لهذا العالم محرك أول ، أو علة أولى ،و أحمق بني البشر يفرق بين هذا وبين الدين ،ولا يعد هذا معرفة بالله بله أن يعده ديناأو إيمانا.
    و إذا كان الأمر كذلك فحتى الدين في أقصى ما يدعيه في معرفة الباري يقر بجهل كيفية صفاته فيأتي المنطق بجملة معارف سلبية تصب كلها في إثبات الكيف للباري،لأن معرفة كيفية الشيء هي بإثبات خصائصه فيعجز ولذلك ينقلب إلى نفي صفاته .
    إن الله الذي أحسن صور خلقه ، وهداهم لأكمل المعارف في معاشهم، لا يتركهم بدون حبل منه يصلهم به فيعرفونه ، ويعرفون مصيرهم عنده ،وهذا شعور فطري في الإنسان منه تبدأ الشكوك تظهر حول كل من يعاند الأنبياء لأنهم الحبل الذي يصل الخلق بخالقهم.
    وعليه فثقة الإنسان المتفلسف المغرور في قدرته الخاصة على معرفة الحقائق باستقلال عن تعليم الله بواسطة الأنبياء ليست إلا اعتقادا فاسدا ، ظهر فساده بتناقض الفلاسفة في جميع المسائل بدون استثناء،لم يتفقوا على شيء واحد حتى في أصول الطبيعيات، ولزمتهم الحيرة في أواخر أعمارهم فانتهوا إن نوع من التصوف أو دعوى وحدة الوجود.

    بيان آثار الفلسفة في علم الكلام تصديقا لابن تيمية:
    1 ـ يعرف الفارابي الفلسفة بأنها العلم بالموجودات بما هي موجودة، و يعرفها ابن سينا في"الشفا" حيث يقول: موضوع العلم الإلهي الوجود المطلق،و منه أخذه الجرجاني في" التعريفات" عندما قال: هي العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه،وكذلك قال ابن خلدون في "المقدمة":علم الإلهيات علم ينظر في الوجود المطلق".
    وهذه العبارات كما ترى أخذت من كتاب أرسطو "مابعد الطبيعة" من المقالة الأولى.
    2 ـ ولو نظرنا في قول الغزالي :"ليس بالإمكان أفضل مما كان" ثم نظرنا في قول أفلاطون و أرسطو: إن بداية الفلسفة التعجب ومنتهاها عدم التعجب،حيث يتحقق الإنسان أن الوجود لا يمكن أن يكون على غير ما هو عليه علمنا مأخذ الغزالي وكيف أن المتكلمين دخلوا في الفلسفة ولم يستطيعوا الخروج منها.
    3 ـ إن المتكلمين ـ وهذا سنعرفهم لاحقا ـ لم تصلهم كتب الفلاسفة الإغريق كاملة و أحيانا وصلتهم منحولة فنسبوا لهذا ما لذاك،كما خلطوا بين المذاهب الفلسفة الإغريقية فظهر عندهم مذهب مشوه تجده في كتبهم، فالشهرستاني عندما يقول في" الملل و النحل"أن أساطين الحكمة سبعة و يعددهم و أن كلامهم في الفلسفة يدور على ذكر وحدانية الباري تعالى، و إحاطته علما بالكائنات كيف هي وفي الإبداع، وتكوين العالم، و أن المبادئ الأولى ما هي وكم هي و أن الميعاد ما هو ومتى هو،ويذكر عن تاليس بأنه مؤمن تفلسف في المالطية و انه قال: إن للعالم مبدعا لا تدرك صفته العقول من جهة حد جوهريته، و غنما يدرك من جهة آثاره، ونقل مثل ذلك في حق انكسيمانس و أن مذهبه أن الباري تعالى أزلي لا أول له و لا آخر وهو مبدأ الأشياء،فهذا الكلام مما هو أقرب إلى علماء الإسلام منه إلى وثنيين كانوا في القرن الخامس قبل الميلاد.
    فهؤلاء الذين ذكرهم كانوا فلاسفة طبيعيين انحسر الوجود عندهم في حيز المحسوسات ولذلك لقبوا بالطبيعيين و باليونانية "فزيولوجي"، لم تكن الفلسفة الإغريقية في وقتهم قد دخلت ما بعد الطبيعة.
    ثم ذكر عنهم أنهم انزلوا العنصر منزلة القلم الأول، و العقل منزلة اللوح المحفوظ،وأنهم اقتبسوا ذلك من النبوة، و أن أنباذوقليس كان في زمن داود عمه تلقى منه، و أن فيثاغورس كان في زمن سليمان عمه و انه أخذ الحكمة من معدن النبوة، فهذا كله خلط وتناقض و إن كان لا يستبعد أن تصل أخبار الأنبياء اليونان ولكن القوم كانوا مشركين وثنيين لا يتعدى كلامهم في الإلهيات كلام مشركي العرب كما أن مثل هذا الكلام تسوق به الفلسفة في العالم الإسلامي، و أول من بدأ هذا التلفيق الكندي و الفرابي وابن سينا حتى أنك عندما تقرأ كلامهم عن سقراط تحسبه شيخ صوفي وقد ثبت يقينا أن كتب سقراط لم تصل العرب إلا بعض محاوراته ذكرها عنه أفلاطون.
    كذلك عندما تقرا ما بعد الطبيعة لأرسطو تجد بينه و بين فلسفة ابن سينا فرقا شاسعا مما يعني أن هذا الأخير قام بتزويق فلسفة أرسطو بالعبارات الإسلامية لتقريبها من الدين ظاهرا أما في الباطن فهي معارضة منافرة للدين من كل وجه.
    الخلاصة أن نقول: أن من يقرأ الفلسفة الإسلامية وما ذكرها فيها من توحيد ومقاربة بينها و بين الدين يتبين يقينا أنها ليست الفلسفة الإغريقية ولكنها فلسفة الإسكندرانيين أمثال أفلوطين بعينها ورمتها فإنهم كانوا مسيحيين حاولوا التوفيق بين فلسفة أفلاطون و أرسطو من جهة و بين العقيدة المسيحية من جهة أخرى،ولذلك تظهر فيها عبارات الإيمان و التوحيد و الله و غير ذلك.
    4 ـ بيان أوجه الخلط الذي وقع فيه الفلاسفة المنتسبون للإسلام:
    من المعلوم أن الأشاعرة و المعتزلة يقولون: بالجزء الذي لا يتجزأ و سبق و أن قلنا: بان هذا مذهب الذريين من الإغريق و يسمون عند المسلمين بالدهريين وهم فرقة من الطبيعيين قالوا بقدم الطبيعة و الدهر ثم بوجود مادة واحدة زعموا أنها مركبة من أجزاء غير مجزأة دائمة التحرك، و باجتماع تلك الجزاء تحت الجسام،و باقترانها تفنى،وهكذا من الأبد إلى الأبد من غير أن يكون لافتراقها و اجتماعها نهاية ولا لتغير العالم غاية،إذ ليس هناك إلا الدهر و الطبيعة،وأول من قال بهذا المذهب أنباذوقليس في جانب الطبيعة و أخذه عن ديموقريطس وعممه فجعل العالم يتألف مما هو موجود أي الملأ أو الذرات، ومما هو غير موجود،أي الخلاء أو الفراغ.
    فأخذ بعض المعتزلة و جمهور الأشاعرة بهذا المذهب و أدخلوا عليه التعديلات الدينية الإسلامية فوقعوا في أشد صور التناقض حيث جمعوا بين أصل الدهرية النفاة للخالق وبين القول بالخالق.
    و بالنظر في تعريف اليعقوبي و القفطي في " تاريخ الحكماء" و الغزالي في"المنقذ من الضلال" للدهريين نجدهم قد أخذوا ذلك من سنبلقيوس في كتاب" السماء و العالم" ، ومن أرسطو في المقالة الثالثة من كتاب"السماء" ومن كتاب"الفساد و التكوين" المقالة الأولى،فتبين أن مذهب الأشاعرة مأخوذة عن الدهريين ومثله أخذ إبراهيم بن سيار النظام من المعتزلة قوله بالكمون.
    و التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة بسبب أصلهم الديني ونزعتهم الإيمانية أن من أخذ بهذا المذهب و تصوره علم انه لا يفضي إلا إلى إنكار الحقائق ونوع من السفسطة وهدم دعائم العقل،ولذلك من كان منهم أخبر بالفلسفة ترك الأشعرية فكريا و انتقل إما إلى الفلسفة المحضة أو الاعتزال ليبق داخل حظيرة الإيمان، فالذين طالعوا "الإشارات "لابن سينا و" الشفا" و "النجاة " خاصة" المحصل"أمثال الجو يني و الغزالي و الرازي و الامدي و أبي الحسين البصري انتهوا إلى التوقف في مسألة الجوهر الفرد و الجزء الذي لا يتجزأ، لأنهم تعلموا عند ابن سينا أن هذا المذهب لا يقول بغير المحسوسات، و أن الحس إدراك فقط،والحكم تأليف بين مدركات بالحس أو بغير الحس،و ليس من شأن الحس التأليف الحكمي وهذا عين مذهب الغزالي في" معيار العلم" ومذهب الرازي في"تأسيس التقديس"، فالتفريق بين الإدراك الحسي و الأحكام العقلية أهم ما يبطل به مذهب الدهريين ومذهب الجوهر الفرد،و التناقض المأخوذ على الرازي في هذا الباب هو أنه لم ينس أصوله الكلامية فعندما أراد أن يعمل هذا المذهب في مبحث الصفات نفى أن يكون الإدراك الحسي من طرق العلم إلى الإدراك العقلي وهذا تناقض منه إما لعدم فهمه غرض ابن سينا و الفلاسفة أو محاولته البقاء في سياق النفي و التعطيل الأشعري للصفات الخبرية.
    وبهذا تعلم أن مذهب الشاعرة في القول بالجوهر الفرد،و الجواز المحض"العادة" وتماثل الجسام، مما يهدم أركان العقل و يدخل في باب السفسطة إنما أخذوه عن الدهريين من غير إدراك لمسالكه و أظن أن مذهبهم هذا يدل على عدم سعة اطلاع وفهم لمذاهب الفلسفة الإغريقية.
    لأن كل فكر مقصور على الحس لا يقود إلا إلى الشك في الحقائق ككون النار تحرق وكون الأجسام متغايرة، وقد علم أن إنكار ماهيات الأشياء وكونها مختلفة متمايزة هو من أوهام السفسطائية.
    فلو لخصنا مذاهب المتكلمين لانتهين عند المعتزلة ولو لخصنا مذاهب المعتزلة وهي تقريبا عشرين مذهبا و مدرستين لانتهينا إلى الفلسفة ولو لخصنا مذاهب الفلاسفة لانتهينا إلى هذين المذهبين لا ثالث لهما.
    فالمذاهب الفلسفية : قول الدهريين بوحدة الطبيعة ولا إله،قول أصحاب الرواق بوحدة الطبيعة و الإله،قول أفلاطون و أرسطو و قبلهما سقراط بوجود عالمين"عالم الإله وعالم الطبيعة إلا أنهم عجزوا في إثبات الاتصال بينهما،وهناك السفسطائيين و الشكاك أمثال بيرون وهذه مذاهب فرعية ليست رئيسية،فأين اضطرب و حار أصحاب أفلاطون وأرسطو حار و اضطرب من قلدهم من المسلمين، أمثال ابن سينا و الفارابي و الغزالي و ابن باجة و ابن رشد وغيرهم كثير.
    مذهب وحدة الوجود الفلسفي وبه تعرف لم ركز على نقضه ابن تيمية:
    وحاصل مذهب أهل الرواق القول بوحدة الوجود أي انه ليس هناك إلا عالما واحدا وجوهرا واحدا، هو عقل ومادة معا لا يمتاز أحدهما عن الآخر قالوا على قول أفلاطون: هو ما يصح فيه الانفعال أو الفعل،فعكسوا عليه تحديده و قالوا هذا لا يطلق إلا على الجسم، فما من وجود إلا وهو جسم ومادة و أطلقوا ذلك على صفات الأجسام، وعلى الكليات، وعلى ما يتصورون في العقل و الجسم عندهم، هو هذا المحسوس المتحيز المركب من أجزاء ومادة إلا أن هذه المادة لا تقوم ولا تبقى إلا إذا كانت فيها قوة ألطف منها تمسك أجزاءها و تضبطها وتربط بعضها ببعض وسموها القوة الضابطة و الماسكة وهي نوع من القوة العقلية مصدرها ما هو أعلى منها و ألطف من القوى ومصدرا لكل القوة الإلهية التي سموها بالعقل، و العالم كالحيوان جسده هو هذا المحسوس وروحه العقل وهو عندهم الإله مفارق للمادة ممتزجا بها امتزاج الدم بسائر الأعضاء،وسريانه في العالم المحسوس فحصل الحياة و الحركة و الحس و العقل في الموجودات كل على حسب رتبته في الوجود.
    من ذلك ما نشاهده في العالم من النظام و الترتيب وما نستفسر به من مناسبة الحركات، ومنافع الأعضاء ،و آثار العقل في أحسن الموجودات فإن كل ذلك أثر الإله، ودليل على حضوره،وحلوله في نفس المادة، لا بصفة مؤثر من خارج بل بصفة قوة عاقلة مركوزة فيه، ممتزجة به، تقود الطبيعة وكل من المفردات إلى إدراك الغاية المقصودة منه.
    فهذه الغاية هي العلة في وجوده ارتبطت بعلة أخرى كانت هي الموجهة لوجود تلك العلة وهلم جرا،و الكل راجع إلى علة العلل، الموجهة لوجود الكل من أعلى إلى أسفل،فالعالم كله علة ومعلول لا محل فيه للمصادفة و الاتفاق، بل كله في قبضة الإله، مجبور الوجود، مجبور الأفعال لما سبقه من العلل التي اقتضاها العقل الإلهي الباري في الموجودات، فما من شيء يقع إلا وهو مقدر في الحكمة الإلهية،قال كرييزيبوس:كل شيء بالقدر ،إذ ما من شيء إلا و له علة:إذ القدر ليس إلا تتابع العلل و ارتباطها بعضها ببعض، إلى أن تنتهي إلى علة العلل وهو مبدؤها ،فلا يقع شيء إلا ما كان واجب الوقوع في الماضي ولا يقع شيء في المستقبل إلا و أسبابه حاضرة الآن".
    وحيث تقرر أن القوة الإلهية هي حالة جميع الأشياء لا يخلو منها شيء، فأحرى أن يكون ذلك الإنسان لعلو مرتبته من الحيوان، فالعقل من الإنسان،هو الإله المركوز في طبيعة المادة، كشرارة النار في الخشب،وهو كالعالم الصغير المقابل للعالم الكبير،فعليه أن يشرف الإله المقيم بين جانبيه، بان يتجنب كل ما ينحط به مقامه وتكدر به نوره، ولذلك فإن علم الخلاق عندهم هو مدار الفلسفة لا شيء أهم منه للإنسان.
    وقالوا: إن الفلسفة كالبستان: المنطق سياجه، و الطبيعيات أشجاره و نباته، ومحامد الخلاق ثمرته و الحكيم من جمع بين العلم و العمل،فبلغ منهما الدرجة العليا حتى تشبه بالإله.
    والناس إما صاحب حكمة أو عوام كالنعام إذ لا واسطة بين المستقيم والمعوج فإما أن يكون حكيما أو غير حكيم.
    ولما عجزوا عن التوفيق بين هذا القول و بما ذهبوا إليه من ارتباط العلل وعدم حرية الإنسان التجئوا إلى نوع من التوفيق يشبه مذهب الكسب عند الأشاعرة،وقد تأثر المعتزلة بفلسفتهم و أخذوا منها الكثير.
    وحقيقة مذهب الرواقيين ليس إلا الرجوع إلى مذهب الدهريين إذ لا فرق بين من يقول: ليس هناك إلا المادة، ومن يقول: إن المادة و العقل شيء واحد، وكيف يتصور اقتران المادة بالعقل مع عدم النسبة بينهما و استحالة جواز صفات أحدهما على الآخر،و الظاهر أن كل ما يتوجه على الدهرية يتوجه عليهم من دون تفاوت.
    ومذهب الرواقيين آخر المذاهب نشوءا عند الإغريق وقد نشأ من قول سقراط في الفرق بين الروح و المادة، ولذلك نفس مثالهم يضربه أصحاب الكليات هو أن وجود العقل في المادة ووجود الكلي في الأشياء كوجود ماء الورد في الورد و الدم في الجسم.
    وعليه فإن المذاهب الفلسفية ثلاث أقوال لا رابعة لها:فالوجود إما يقال هو هذا المحسوس، أو إنه المعقول لا المحسوس،أو إنه و المحسوس معا، وبعض المسلمين أخذوا بالقول الثاني و الثالث.
    فأول بحث عند الإغريق كان مقصورا على المادة يلتمسون ماهية هذا الوجود المحسوس ثم برز سقراط و أفلاطون فبينا ما بين العقل و المادة من تمييز فانقلبت المسألة إلى بحث آخر هو التوفيق بين المادة و العقل و كيفية اتصالهما و تأثير كل منهما في وجود العالم،فقال أفلاطون: إن الجوهر العقلي هو الأصل في الوجود، ولم يبق للمادة إلا نوعا من الوجود قريبا من العدم المحض،وبالغ في التفريق بين المادة و العقل حتى كاد يتلاشى الاتصال بينهما.
    ثم جاء أرسطو فزعم أن الوصول من العالم الأعلى إلى العالم السفلي لا يتأتى على طريقة أفلاطون و أن اتصال العقل و المادة حاصل لا محالة في الأفراد إلا انه لما حاول الارتقاء منها إلى عالم الغيب و إلى العقل الإلهي زلت قدمه ووقع فيما كان يحذر منه، حيث عجز عن كيفية الاتصال بين العالم الحسي و العقل الإلهي فلم يبق بعد إلا التمسك بأحد قولين:إما القول بان المادة هي الأصل الوحيد ولا شيء غيرها وهو قول الدهرية أو القول بوحدة العقل و المادة وهو قول الرواقيين وهو راجع إلى قول الدهرية بنوع من الفرق فوقف العقل البشري عند هذا الحد ولم يبق له في الفلسفة شيء، و الحمد لله أن بعث الأنبياء و أنزل الكتب حمدا يوافي عدد الحائرين و الجاهلين و الغافلين وعدد من ضل وعدد من اعتقد في الفلسفة خيرا و فائدة.
    ولماعجز أفلاطون و أرسطو و أهل الرواق عن إثبات ذلك عجز الإسلاميون الذين أخذوا بذلك و انتهوا إلى الحيرة و دعوة عريضة أن الحق لا يعرفه إلى بعض العارفين فلم يبينوا لنا من هم هؤلاء العارفين ولا مثلوا بأسمائهم وزعموا أن هذا الحق سر الربوبية من اكتشفه اكتشف الحق وعال به،كمن يقول: الحق في جزيرة لا يعلم أين تقع و إن كانت فعلا موجودة ولا ماهو هذا الحق ولكنه سر وهذا مذهب ابن سينا في الجزء الأخير من الإشارات و في بعض رسائله ومذهب الغزالي و السهروردي و ابن مسرة و غيرهم :الجهل بعد الحيرة.
    ولا تجد من القرن الثالث قبل المسيح إلى يومنا هذا ممن يقول بالفلسفة إلا شاك في الحقائق ودهري لا يقول إلا بالمادة أو رواقي يقول بوحدة الوجود وحدة المادة و العقل ومشائي متفرغ للطبيعيات آيس عن إدراك الحق أو ملفق يسعى للتوفيق بين الآراء قدر الإمكان بأن جعل لها مبادئ الأقدمين فيثاغورس و تاليس و غيرهم ،ولم يبق للخروج من هذه الورطة إلا التوفيق بين هذه المذاهب كلها و اختيار ماهو مسلم عند غالبيتها و إلغاء ما فيه الاختلاف وهذا ما فعله الإسكندرنيون وهو مذهب الأفلاطونية المحدثة وهذا هو المذهب الذي أثر في الفلاسفة الإسلاميين و المتكلمين على حد سواء:
    هذا المذهب أنشأه امونيوس سكاس في الإسكندرية ومعنى سكاس الحمال لأنها كانت حرفته وكان نصراني الأصل ثم انتقل إلى وثنية اليونان و تعاطى الفلسفة وكان مولده بعد المسيح بمائة و خمس و سبعين سنة ووفاته سنة224 ومن تلاميذه :أفلوطين و تلميذ أفلوطين بروفيريوس اشتهر باسم فرفوريوس أخرج مذهب شيخه على صورة مجموعة مقالات سماها :التاسوعات وهو واضع كتاب "إيساغوجي" المدخل إلى مقولات أرسطو.
    وهؤلاء ومن تبعهم يسمى الفرع الإسكندراني.
    وجاء بعدهم يمبليخوس وهو تلميذ فرفوريوس ومن تبعه يسمى الفرع الشامي أو السوري إشارة إلى بلد مولد يمبليخوس.
    ثم سريانوس و برقلس ومن تبعهم و يسمى الفرع الإثيني لكونهم كانوا بأثينا.
    وهؤلاء لم يعرفهم العرب إلا في النادر ولم يذكرهم إلا القفطي في "تاريخ الحكماء" و الشهرستاني في"الملل و النحل" باسم الشيخ اليوناني،على ما في ذكرهم من خلل ،ذكر عنه بعض المقالات ثم جعل فصلا خاصا ببرقليس اقتصر فيه على بيان مذهبه في قدم العالم وفصل آخر ترجم فيه فرفوريوس و أتى فيه بكلام ليس من مذهب فرفوريوس إلا القليل منه، و أكثر ما نسبه الشهرستاني من كلام لأفلاطون و أرسطو وأصحاب الرواق وهو في الحقيقة من كلام الإسكندرانيين.
    وهذا المذهب جمع مذاهب اليونان وحاول التوفيق بينها ويدور في معظمه على أساس:
    1 ـ التوفيق بين أفلاطون و أرسطو و انه لا خلاف بينهما في الأصول و إنما الخلاف في أساليب البحث و الفروع قال سمبليقيوس في تفسير كتاب المقولات لأرسطو:إذا ظهر الخلاف بين أرسطو طاليس و أفلاطون فالقاعدة أن لا تقف عند ظاهر المعنى ولا يعتقد بوجود الخلاف حقيقة بين الحكيمين بل ينبغي عليك أن تستقصي معناهما فتجدهما موافقين لا محالة".
    وعلى هذا الرأي بنى الفارابي فلسفته في رسالته" الجمع بين رأي الحكيمين أفلاطون و أرسطوطاليس"
    2 ـ الحقيقة واحدة في الأديان والفلسفة "وحدة الحقيقة" فلا يجب أن يلغى قول من الأقوال بل يبحث عن وجه موافقته لأقوال الأخرى.وحدة الأديان.
    3 ـ إذا تحقق الخلاف و تعذر الجمع بين أقوال الفلاسفة المختلفة اعتمد قول أفلاطون لأنه في نظرهم أقرب للحكمة الأولية.
    4 ـ جوهر فلسفتهم أفلاطوني أرسطي مشوب بالفيثاغورسية.
    قال البيروني في كتابه"تحقيق ما للهند من مقولة" قال بروقلس: التذكر و النسيان خاصان بالنفس الناطقة، و قد بان أنها لم تزل موجودة فوجب أن تكون لم تزل عالمة و ذاهلة، إما عالمة : فعند مفارقتها البدن، و إما ذاهلة : فعند مقارنتها البدن، فإنها في المفارقة تكون في حيز العقل، فلذلك تكون عالمة، وفي المقارنة تنحط عنه فيعرض لها النسيان لغلبة ما بالقوة عليه.
    ومن ذلك أخذ ابن سينا قصيدته في النفس:
    هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع
    ومنه قول ابن عربي في " رسالة النفس":النفس جوهر روحاني فاض على هذا القالب و أحياه، و اتخذه آلة على اكتساب المعارف و العلوم، حتى يستكمل جوهره بها و يصير عارفا بربه، عالما بحقائق مخلوقاته، فيستعد بذلك إلى الرجوع إلى حضرته، وليا من أوليائه في سعادة لا نهاية لها.
    قال الغزالي في" مشكاة الأنوار" في الموازنة بين العين الحسية و العين القلبية ما نصه:العقل أولى بان يسمى نورا من العين الظاهرة لرفعة قدره عن النقائض السبع" [ سماها قبله أفلوطين الجوهر النوراني:الإنسان الباطن، و العقل الأول،ذروة العقل، عين القلب.]

    وقال مثل ذلك في "الإحياء"{3/36}:" البصيرة الباطنة هي عين النفس التي هي اللطيفة المدركة".
    قال أفلوطين في " الكتاب التاسع": الحياة الكاملة المشبهة بالحياة الإلهية أن ينقطع المرء عن جميع الأمور الدنيوية و الملاذ الدنيئة، ويهجر بنفسه إلى الإله".
    فملخص ما أخذه الفارابي و ابن سينا و الغزالي و ابن عربي عن الإسكندرانيين في هذا المسألة وهي التزاوج بين الفلسفة و التصوف وهي كيف تدرك الحقيقة المطلقة عن طريق إدراك مقام الفناء في الربوبية هو:
    على طالب الفلسفة أن يزيل أولا الحجاب العقلي وهذا الحجاب ينشأ من الفكر و ما يعتاده الإنسان من التصور و التحليل و التركيب، و أنواع القياسات إلى غير ذلك من أعمال الفكر،مما يعيق توجيه نظر العقل إلى النور الباطن المتعالي عن التغيير و النابع من النفس والذي حجبه حجاب العقل وحجاب الجسم الغليظ، فإذا انقشع غمام العقل وصحا جوه بلغ الإنسان السكون التام، وحصل على ما هو الغاية المطلوبة من الفلسفة على قول أفلاطون، وهي تزكية النفس من الكدورات ،وحل الرباط الموجود بين الروح و البدن، فانكشف للبصيرة حقيقة كنهها و تحققت ما هيتها،ورأت أنها من الإله إلهية، ومن النور نورانية فانفتحت عينها و شاهدت ما وراء الحجاب.
    قال أفلوطين: وذلك انه لا يمكن إدراك شيء إلا إذا كانت بين المدرك و المدرك نوع مشاكلة و محاكاة، فما دامت النفس متلبسة بالطبيعة المتكثرة ، لا تستطيع إدراك الواحد المحض البسيط، و غنما إذا تجردت عن العلائق الشخصية فكأنها رجعت إلى حالتها قبل أن تهبط للعالم السفلي و استعادت إدراكها فتنزل عليها حينئذ الأنوار و الفتوحات الإلهية.
    قال في كتاب " أثولوجيا: إن المرء الصالح إذا ألقى عن نفسه الأشياء الدنية و زين نفسه بالأعمال المرضية أفاض على نفسه النور الأول من نوره و صيرها بهية".
    يكون ذلك كالبرق في بداية أمرها ثم تتصل الأنوار وتدوم فيما بعد بتغيب النفس عن الحس و الإدراك وتنتقل في عالم فوق طور العقل و قد شاهد في فنائها ما لا عين رأت،قال: ومثل ذلك في غاية الندور في حياتنا الدنيا، لا يفوز به المرء إلا المرة و المرتين على فرض وقوعه.
    وقد شهد أفلوطين على نفسه حسبما ذكره تلميذه فرفوريوس بحصول ذلك له أربع مرات،وما هذا إلا نموذج للحياة المقبلة المعدة لمن دوام على تصفية نفسه وواظب على الفكر و المراقبة من دون فتور.
    قال ابن عربي في" فصوص الحكم":"إن لك منك غطاء فضلا عن إلباسك في البدن، فاجتهد أن ترفع الحجاب و تتجرد، فحينئذ تلحق فلا تسأل عما تباشره، فإن مت فويل لك، و إن سلمت فطوبى لك، و أنت في بدنك تكون كأنك لست في بدنك و كأنك في صقع الملكوت".
    قال في كتاب" أثولوجيا" مقتبس من الكتاب الرابع من إلهيات أفلوطين:إني ما خلوت بنفسي، وخلعت بدني جانبا، وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن،فأكون داخلا في ذاتي خارجا عن سائر الأشياء،فأكون: العلم و العالم و المعلوم جميعا،فأرى في ذاتي من الحسن و البهاء و الضياء ما أبقى له متعجبا بها، فأعلم أني جزء من أجزاء العالم الشريف الفاضل الإلهي، ذو حياة فعالة، فلما أيقنت ذلك، ترقيت بذاتي من ذلك العالم إلى العالم الإلهي،فصرت كأني موضوع فيها متعلق بها، فأكون فوق العالم العقلي كله فأرى كأني واقف في ذلك الموقف الشريف الإلهي فأرى هناك من النور و البهاء ملا تقدر الألسن على صفته، ولا تعيه الأسماع، فإذا استغرقني ذلك النور و البهاء،ولم أقو على احتماله هبطت من العقل إلى الفكر و الروية،فإذا صرت في عالم الفكر و الروية، حجبت الفكرة، عن ذلك النور و البهاء.
    فالعلم عند القوم إذن علمان: علم يتعلق بالعقل و الأعمال الفكرية، وعلم يتعلق بالعين الباطنة،أي المكاشفة لا دخل للعقل فيه، ولا يمكن التعبير عنه بوجه، ولذلك انقسمت الفلسفة عندهم قسمين: قسم علمي ينظر في علل الموجودات و ارتباطها بعضها ببعض، من العلة الأولى إلى الأسفل دركاتها، ثم عروجها إلى مبدئها.
    وفلسفة عملية : ترشد الطالب إلى الطريق الموصل لمبدئه، ثم علم مكاشفة لا يبلغ إليه إلا القليل النادر ممن اكتشف على الباطن في القلوب،وهو ذوقي محض لا يدرك إلا بتصفية الباطن، ثم العناية الإلهية.
    فغذا قبلنا بين آراء أفلوطين و آراء الفلاسفة الإسلاميين كالفارابي و ابن سينا و ابن باجة، و الرازي،و السهروردي و الشيرازي و المتصوفة كالغزالي و ابن مسرة و ابن عربي و ابن سبعين و القونوي و غيرهم وجدناها متطابقة كل عقيدتهم في النفس ، و العلم، و العقل، و الفناء، و التجرد،والحقيقة، و العالم العلوي و العالم السفلي مأخوذة عن أفلوطين و ليس عن الكتاب و السنة.
    قال الغزالي في" الإحياء": اعلم أن علم طريق الآخرة قسمان: علم مكاشفة، وعلم معاملة، وعلم المكاشفة عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره و تزكيته من صفاته المذمومة و ينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير واضحة، فتظهر إذ ذاك المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه، و بصفاته الباقيات التامات و بأفعاله و بحكمه في خلق الدنيا و الآخرة.
    فنعني بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى يتضح له جلية الحسن في هذه الأمور اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه،وهذا ممكن في جوهر الإنسان، لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها و خبثها بقاذورات الدنيا، و غنما نعني بعلم طريق الآخرة،العلم بكيفية تصقيل هذه المرآة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن الله سبحانه و تعالى، وعن معرفة صفاته و أفعاله، و غنما تصفيتها و تطهريها في الكف عن الشهوات و الاقتداء بالأنبياء صلى الله عليهم في جميع أحوالهم، فبقدر ما ينجلي من القلب و يحاذي به شطر الحسن يتلألأ فيه حقايقه".
    فهذا وجه المطابقة في هذه المسائل و نفس كلام أفلوطين في الطرق المؤدية إلى العلم الإلهي يقول به الغزالي في ميزان العمل، و الإحياء، و كيمياء السعادة، و إلجام العوام و المنقذ من الضلال ،وغيرها من كتبه ويقول به ابن سينا و ابن رشد نوعا ما.
    فتجدهم في كتبهم يقولون: اختلفت الطرق المؤدية إلى علم الإلهيات فمن الطالبين من طلب إدراكه بالبحث و النظر وهؤلاء زمرة الباحثين ورئيسهم:أرسطو و هذه الطريق انفع للتعلم لو وفى بجملة المطالب و قامت عليها براهين يقينية، ومنهم من سلك طريق تصفية النفس بالرياضة و أكثرهم يصل إلى أمور ذوقية يكشفها له العيان، ويجل أن توصف بلسان،ومنهم من ابتدأ أمره بالحث و النظر و انتهى إلى التجريد و تصفية النفس، فجمع بين الفضيلتين و ينسب مثل هذا الحال إلى سقراط و أفلاطون و السهروردي".انظر" كشف الظنون"و" إرشاد القاصد إلى أسمى المقاصد" و" الإشارات" و"ميزان العمل" للغزالي.
    قالوا: وهذا العلم الباطن مما لا ينبغي إفشاؤه إلى غير أهله،ولذلك كان أفلاطون يعلم الناس علانية و يلحق بذلك درسا خصوصيا للحكمة السرية المضنون بها على غير أهلها، لا يحضره إلا من يختاره من تلاميذه،فهي الحكمة التي لم يودعها الكتب تناقلت على لسان تلاميذه جيلا بعد جيل إلى أن وصلت إلى الشيعة الإسكندرانية، قال الفارابي في كتاب" الجميع بين أفلاطون و أرسطو": كان أفلاطون يمنع في قديم الأيام من تدوين العلوم و إيداعها بطون الكتب دون الصدور الزكية و العقول المرضية فلما خشي على نفسه النسيان و ذهاب ما يستنبطه اختار الرموز و الغاز قصدا منه لتدوين علومه و حكمته على السبيل الذي لا يطالع عليه إلا المستحقون لها".
    قال ابن أبي أصيبعة ناقلا عن بشر بن فاتك قال: كان أفلاطون يرمز حكمته و يسترها و يتكلم بها ملغوزة حتى لا يظهر مقصده إلا لذوي الحكمة".
    وكل هذا يقرب مما التزمه الصوفية من عدم إفشاء علوم المكاشفة عندهم،قال الغزالي في"الإحياء": المقصود من هذا الكتاب علم المعاملة فقط دون علم المكاشفة التي لا رخصة في إيداعها الكتب،وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب، ولا يتحدث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة و بطريق الأسرار،وهذا هو العلم الخفي".
    وحدة الأديان التي نادى بها الفلاسفة المنتسبون للإسلام:
    قال الأفلاطونيون المحدثون: إن الفلسفة و العبادة عبارتان من معبر واحد، لا يختلف إلا من حيث الأساليب و الطرق مع اتحاد الغاية فيهما،فإن مطلوب الفلسفة يرجع إلى إصلاح القلب و تهذيب الأخلاق و إسعاف الإنسان على الرجوع إلى الإله ولا غاية للعبادة غير ذلك،فالفيلسوف يطلب الإله عن طريق الفكر و العقل و العابد يقصده بالذوق و القلب و انتهاء الطريقين واحد،قال أفلوطين: الكشف عن الإله ثم الاتصال به و الخلاف الموجود راجع إلى الظواهر فإن الملل قد وضعت لتقريب الحقائق الإلهية للأفهام العامية فتلبست بقشور حسية مما يناسب أفكار الجمهور و عوائدهم.
    قال :برقلس:إن القصص و الروايات المتداولة عن الآلهة تخفي الحسن عن غير أهله وتجليه لم يستحق فهمه.
    قالوا: ولا سبيل لذلك إلا التأويل، فإنا إذا أخذنا الاعتقادات على ظاهر معناها لا نتوصل بها إلا إلى الالتباس، قال فرفوريوس: إن عدم الإيمان أحسن من الإيمان بما تعتقد به العامة.
    ومنه قال ابن رشد في" الكشف عن مناهج الأدلة":الصواب أن تعلم الفرقة من الجمهور التي ترى أن الشريعة مخالفة للحكمة إنها ليست مخالفة لها.... و أن الرأي في الشريعة الذي اعتقد أنه مخالف للحكمة هو رأي : إما مبتدع في الشريعة لا من أصلها، و إما رأي خطأ في الحكمة اعني: تأويل خطأ عليها".
    وجه تناقض دعوة وحدة الأديان مع جوهر الفلسفة:
    أما قولهم بالتحاق الفلسفة بالعبادة فهو مخالف لمذاهب الفلاسفة لأنها في عرفهم البحث العقلي المحض من غير تعرض إلى غيره من المباحث لأنه إذا أدخلنا على الفلسفة مسالك ليست من مسالكها كالكلام في الذوق و الحال و القلب مما هو خارج عن أساليب العقل لا يخلو الحال من أن تكون عاقبته وخيمة على الفلسفة و امتزاج مواردها بالدين يفسدها و يفسد الدين وهذا ما وقع للاسكندرانيين فبعد موت أفلوطين سنة269 ميلادية أصبحت الفلسفة تميل عن البحث العقلي المحض إلى الانتصار للمسيحية أو اليهودية أو أية ملة قومية فصار أكثر تشوق روادها الاطلاع على المغيبات وخوارق العادات وغريب المكاشفات كما حصل لـ يمبليخوس فدخلوا في الاعتناء بالسحر و علم التصرف بأسماء الشياطين و الكواكب و الطلاسم و الكهانة و النجوم مما هو بعيد عن موارد الفلسفة مما أدى إلى تلاشي الأفلاطونية المحدثة و استيلاء النصارى على الأمر فبقيت مبثوثة في الفلسفة النصرانية لتنصر بعض الأفلاطونيين المحدثين.
    فالمذهب الأفلاطوني الحديث انتقل إلى الإلهيين النصارى عن طريق كتاب ديونيسيسوس حرره أفلاطوني مجهول بهذا الاسم ادعى انه من تلاميذ بولس وحرر شرح أسرار الربوبية ودرجات عالم الملكوت و الكنيسة السماوية على المذهب الأفلاطوني فصار من ذلك الوقت عمدة النصارى هو في الحق فلسفة أفلوطين و أشياعه من الإسكندرنيين بدلت العبارات بعبارات نصرانية و تم تعديله شيئا قليلا ليوافق بعض العقائد النصرانية ، ومن النصرانية دخل على المسلمين فشرب منه المعتزلة الذين كان الكندي أحد رجالتهم وشرحه بالعربية الفارابي ونشره ابن سينا و تقمصه الصوفية و الفلاسفة على حد سواء كالسهروردي و الغزالي و ابن عربي و غيرهم.
    قال ابن أبي أصيبعة في" تاريخ الحكماء"{ص:36}:" إن أهم المذاهب لمعرفة موارد أفكار فلاسفة العرب هو مذهب: ديمقريطس صاحب القول: بالجزء الذي لا يتجزأ،وهو من أمهات المذاهب في الطبيعيات عند الأشاعرة وفرقة من المعتزلة ثم أفلاطون و ارسطا طاليس ثم أصحاب الرواق ثم الاسكندرانيين أصحاب أفلوطين وفورفوريوس و برقلس وهم قدوة حكماء الإسلام".
    وبهذا تعرف أن ما نسبه شيخ الإسلام ابن تيمية للفلاسفة و المتكلمين موافق للحقيقة وتؤكده الدراسات التاريخية الجادة وبه تعرف عدم دقة الكاتب السعودي في تحليله لشخصية ابن تيمية العلمية في جانبها النقضي للفلسفة.
    و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    أرزيو/ الجزائر في 12 رمضان1430
    مختار الأخضر طيباوي
    إن شئتم أن يتجسّد العلم ،لا بُد من العقيدة فالتوحيد عليه مدار الحياة .{ أَصْلُهَا ثَابِتٌ } [لا إله إلاّ الله ثابتة في القلب ]والقلب محلّ العقيدة { وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء{24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا }معنى هذا الجانب العملي أي امتدّت عروق التوحيد في كل أماكن ونواحي القلب وتمكنت منه فلم تبق مكانا لمن يعيش معها من غير ذلك [أي ممّا يفسد القلب]

    [السبيل إلى العمـــل بالعلمـ : لشيخنا العيد شريفي ]

    www.forums.el-houda.org/

    http://www.salafie.net/vb/

  4. #4
    عضو ذهبي
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    الجزائر ـ بومرداس ـ
    المشاركات
    3,920

    افتراضي رد: ابن تيمية والفلسفة ..جواب الشيخ مختار لي عن مقال الكاتب السعودي


    تذكير للانتفاع
    إن شئتم أن يتجسّد العلم ،لا بُد من العقيدة فالتوحيد عليه مدار الحياة .{ أَصْلُهَا ثَابِتٌ } [لا إله إلاّ الله ثابتة في القلب ]والقلب محلّ العقيدة { وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء{24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا }معنى هذا الجانب العملي أي امتدّت عروق التوحيد في كل أماكن ونواحي القلب وتمكنت منه فلم تبق مكانا لمن يعيش معها من غير ذلك [أي ممّا يفسد القلب]

    [السبيل إلى العمـــل بالعلمـ : لشيخنا العيد شريفي ]

    www.forums.el-houda.org/

    http://www.salafie.net/vb/

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. ترجمة من حياة ابن تيمية المصرى الشيخ محمد خليل هراس رحمه الله للشيخ جلال الخطيب27/6/
    بواسطة أبو أحمد الدمياطى في المنتدى منتدى الصوتيات والفيديو
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 07-17-2010, 05:42 PM
  2. قال الشيخ ربيع ابن تيمية لم يمثل بالاكل والشرب.... والحقيقة انه مثل
    بواسطة بدرالدين الجزائري في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 10-07-2009, 06:29 PM
  3. جواب أبي محمد عمر البومرداسي عن أسانيد السيرة للشيخ مختار طيباوي
    بواسطة عمربن محمدالبومرداسي في المنتدى منتدى الحديث
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 08-31-2009, 04:37 PM
  4. جواب الأخ بن حسين حسين عن مسألة قيام الحوادث..للشيخ مختار طيباوي
    بواسطة عمربن محمدالبومرداسي في المنتدى منتدى العقيدة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 08-31-2009, 03:27 PM
  5. شرح رسالة حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله / الشيخ محمد الصالح العثيمين
    بواسطة ابن الوادي في المنتدى مختارات رمضانية ... دروس - فتاوى - أبحاث - مسائل
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 08-20-2009, 09:00 AM

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •